15 سبتمبر 2010

رومانسية الطب و الأدب

" إنها إنسانية ملائكة الرحمة "، بهذه الجملة الأكثر قربا إلى الإنطباعية اختتم الأديب و الطبيب الفرنسي فرانسوا رابلي أحد فصول كتابه التربوي المشهور Gargantua et Pantagruel، سائرا كذلك في مسار الإشعاع الأدبي للطبيب، إلى المستوى الذي نتحدث فيه عن ظاهرة : " الأديب الطبيب " كمفهوم مستقل و كاتجاه ابداعي رافق العديد من التقسيمات الكبرى للفعالية الابداعية الانسانية.

إن التكوين العلمي الطبي ينسجم مع الوجود الغائي للنشاط الابداعي المتلخص في الانتماء الى الأشجان الاجتماعية للإنسانية استنادا الى الوحدة المعرفية للجسم البشري بيولوجيا. لذلك، ليس موقفا انطباعيا أن نتحدث عن وجود علاقة حميمة بين " الأديب الطبيب "و " مواطن العالم " باعتباركل منهما مفهوما قائما بذاته. و لا تنسج الفعالية الأدبية علاقتها الوشيجة مع التكوين الطبي فحسب، إذ تتجاوزه الى مختلف العلوم التطبيقية، فالخطاب الفلسفي يتأسس على المنهج التشكيكي الذي ابتكره عالم الرياضيات رونيه ديكارت ، و إذا تناولنا هذا المنهج بطريقة امتدادية، فسنلاحظ أنه يمثل جذر موقف كارل بوبر حول كيفية توصيف أو فرز النظرية العلمية، إذ أن كل نظرية كي توصف ب " العلمية " تحتاج إلى الاعتراف بقابليتها للتفنيد احتراما لنسبية الحقيقة العلمية و للمبدأ التراكمي الذي يتحكم في عمليات بناء المعرفة.

لا يجوز أن نتطرق إلى الوزن الإنساني لظاهرة " الطبيب الأديب " أو بتعبير أكثر شمولية ، " الطبيب المفكر " دون استحضار رائد الشيوعيين خلال القرن العشرين، الطبيب ارنستو تشي جيفارا و الذي أتاحت مميزات كفاحه الراديكالي ضد كافة أشكال الاستغلال الأفق الرحب أمام تقاطر الكتابات الأدبية و الـتأملية و العلمية.

في النص الأدبي و الفلسفي يتسم الإنصات إلى أثقال الانسان بالأحادية، إذ يتقيد الكاتب قسرا بحدود نوازع الذات المبدعة فيكون له بذلك خياران فقط، إما أن يصور الأحداث كأنه خارجها أو يصورها و هو في أحشائها." الطبيب الأديب " متمثلا في جيفارا ساهم بقوة و اصرار في تحويل آلام الأغيار-- التي تحدثت عنها بوفرة مختلف الكتابات الأدبية -- إلى حركية واقعية تنشد التغيير الراديكالي لمعادلات الحياة الاجتماعية تأسيسا على تشابه أجساد البشر و مساواتهم حين يوضعون فوق المنضدة كي يعالجهم الطبيب ، و هذا ما يسمح لنا أن نفترض أن جيفارا تصرف بنزعته الإيبقراطية أكثر مما تصرف بنزعته الشيوعية، و تزداد هذه الفرضية لمعانا حين نستحضر في هذه اللحظة أن الناتجين السلوكيين و الفكريين لكلا النزعتين متشابهين.

07 سبتمبر 2010

العرب...رومانسيو الأزمات

يقال و قد استرعى الاهتمام الحديث المنصف عن المتمسئلين أو الكائنات الممسوخة الناجمة عن المزج العشوائي بين المتسولين و المسؤولين ، إن ما لا يحبذه الوجد يتعمد الغاء وجوده، فيداري الوجد نفسه الشاحبة بالوهم، إذ أنه يدرك مليا أن ما افترض انتفاءه، موجود و سيستمر موجودا. يوم الحجون، أخطأت حبائل المتيم الولهان، جميل بثينة قلب معشوقته، لكنه عالج كبريائه حينما أورد كلام العواذل اللائي تلمظن صفاء الحب، لذن بالوشاية المزيفة، و كان أن حاقهن الفشل الجسيم.

الحجون المنشود ليس المرتفع التضاريسي الكائن في مدينة مكة أو قرية مكة، فأم القرى تملك الساعة العملاقة الخاصة بها، و تزورها الجموع الصاخبة خلال المناسبات الدينية. إنما المقصود، الانعكاس الأزرق لصورة " غزوة الحجون " على المسار التاريخي للعرب، بوصفهم أنجع مختبر أو لنقلها دون مواربة، أفضل فئران للتجارب السياسية، فمقياس الوعي الثقافي وشيج الاتصال بتشخيص المؤامرات الخطيرة، و غدا التشخيص بوهيميا فتسرب الى تفاصيل العلاقات الاجتماعية مكسرا و تلك فضيلته الأولى و الختامية، القناع الشفاف الذي يخفي الملامح المرعبة و القبيحة للمجتمع العربي، مثلما غدا التشخيص لزوميا أو أصوليا عندما استخدم مبدأ التجميل المنبوذ من قبله كي يخفي الملامح المهولة نفسها.


العلة أو الوجود الغائي للبحث الحثيث عن الحقيقة يختصر في التعرف إليها،( و التصرف الفعلي كمرحلة ما بعد لمس الحقيقة) و هي الخطيئة الأم التي يرشق بها الأصوليون خصومهم. إننا جميعا لا ندرك حقيقة مجتمعاتنا، كما أن تنويع قوالب الحقيقة و الحرص عن كثب على القوالب الوجدانية سبيل مرموق الى النقد الذاتي، و هو الرد الأزلي الذي يستخدمه البوهيميون. لا ننسى أن بعض المثقفين ينتمون باخلاص و وداعة الى المنطقة الوسطى تلافيا لضجيج النقاش الباعث على الملل، فهم يصرخون كلما احتدم السجال : لا غالب و لا مغلوب. و هو موقف عاقل، فالفريقان المتصادمان و اللذين واظبا بوفاء منقطع النظير على انتاج إرث ثقافي مطرز بالصدمة و مفعم بمختلف أشكال العنف، لا يمتلكان أدوات التغيير، بل إنهما غير قادران على الانسجام مع مقتضيات التغيير و التي تتصدرها قضيتان محوريتان : أزمة تجميع حلقات قلادة المجد، و التوصل الى رسم السياقات الثقافية المشتركة.


يروم المثقف العربي ناسجا على منوال الحاكم العربي احتكار القيمة التاريخية لنشاطاته، لا يجوز أن يقتسمها مع أحد. سؤال حارق يستبد بأفكار المثقف أو الحاكم العربي، فهما يتقاسمان نفس المبادىء أو الدوافع السلوكية : " هل يمكن أن أترك للأجيال القادمة جزءا من المجد الذي أشارك حاليا في خلقه؟ الأكيد أنهم لن يتذكروني تاريخئذ ". ينسى صاحبنا العربي سواء المثقف أو الحاكم أنه يرتكب خطأ وخيما، المجد المنظم أي المرتهن بمشروع نهضوي تطوري قلادة غير منتهية، لكل فترة تاريخية حلقات محددة يجب أن تنجزها، و حينما يطمع الانسان الى تركيب الحلقات قاطبة، فإن شعورا واهما ينتابه في تلك اللحظات المذنبة، و هو شعور الاستحواذ على القيمة التاريخية للمشروع الذي ينفذه، لكن الواقع أنه يدمر الحلقات التي ركبتها الأجيال الماضية. باستطاعتنا أن نسأل فلاحا صينيا تجاوز عمره مائة عام عن مبتغاه إثر زرع نبتة جديدة ، سيجيبنا بتلك الحكمة الكونفوشيوسية العتيدة : " زرعوا فأكلنا، و نزرع فيأكلون".


قضية العجز العربي الثانية تتراءى في انعدام الاستطاعة لرسم سياقات ثقافية مبنية فوق قيم مشتركة. يقول المفكر البريطاني الكبير برتراند راسل : " لا تخش أن يكون رأيك شاذا اليوم، فكل رأي مقبول اليوم، كان شاذا يوما ما ". مشكلتنا أن لدينا رأيين فقط تتوسطهما منطقة زرقاء تتصرف دائما بمنطق الضحية، فالعالم الثالث بالنسبة إليها مشتل للمؤامرات الغربية، لكن سكان هذه المنطقة يتغافلون عن كون ما ينافحون عنه نصف الحقيقة أو أقل منه . إن نجاح السياسات الغربية في الشرق لا يفسر بالمحتوى السلبي لهذه السياسات فحسب، و إنما يفسر بانسجامه مع المؤثثات الذاتية و البين-ذاتية الموجودة في الشرق، فنجاح أي سياسة يقتضي توفر وسط ملائم لها، و نجاح الغرب في فرض رؤاه في الشرق راجع إلى امتلاء هذه المنطقة بموارد بشرية قادرة على حبك المزالق لبعضها البعض و قادرة على ممارسة غزوات الحجون بتفوق و اجتهاد. و غزوة الحجون تتألف في الواقع من غزوتين : غزوة وهمية يقوم بها المثقف أو الحاكم أو المواطن العربي اتجاه الغرب باعتباره منبع الاستنزاف، و هذه الغزوة الوهمية إنما تهدف إلى مواراة الغزوات الحقيقية التي يتبادلها العرب فيما بينهم عبر مختلف المجالات المتصورة و غير المتصورة.


لكل هذه العيوب الفريدة القاطنة في أغوار الذات العربية، لا يلام مؤسس علم الاجتماع العلامة عبد الرحمان بن خلدون حينما وصف العرب في الفصل السادس و العشرين من كتابه العالمي " المقدمة "، و هو وصف استباقي، يوضح النتيجة الحتمية للتصرف الزمكاني العربي ، و الأكثر مدعاة للانتباه هو أن الوصف الذي كتبه ابن خلدون منذ مئات السنين، يلائم المشهد العربي الراهن بمعنى أكثر وضوحا ، فإن العقل السياسي العربي الممارس للسلطة لم يطرأ عليه أي تغيير نحو الأفضل، فمواصفاته قبل قرون هي نفس مواصفاته في الوقت الحاضر ، يقول ابن خلدون : "...و أيضا فهم متنافسون في الرئاسة، و قل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره و لو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته، إلا في الأقل و على كره و من أجل الحياء، فيتعدد منهم الحكام و الأمراء ".


إن العرب جثة ساكنة، تبرع بها صاحبها قبل مماته الى المختبرات السياسية كي تطبق عليها مختلف النظريات لاستخلاص فوائد تنفع البشر الأحياء. و قد برر صاحب الجثة ما قام به في السجل التعريفي المرفق بالجثة، إذ أكد للعالمين أنه أهدى جثته الى المختبرات السياسية تكفيرا عن ذنبه الثقيل، فهو كان أحد لصوص القمر.

16 أغسطس 2010

حنجرة الضمير المغربي


http://www.safara.com/images/ghiwan.jpg
لكل أمة رمزها الثقافي الأسمى الذي يجسد هويتها و خصوصيتها أمام مختلف الثقافات التي يزخر بها العالم. لا شك أن ربط الثقافة بالتاريخ موقف جزئي، فالثقافة مفهوم مركب يشتمل انجازات مجموعة بشرية ما بدلالة الزمن تقدما و نكوصا.

إذا اعتبرنا الحدوث الثقافي مستقلا عن الدين، فإننا نمنحه في هذه الحالة بعدا بشريا بحتا، غير أن المناطق التي وصل إليها الاسلام تتسم بتداخل وشيج بين الممارسات الدينية و الاجتهادات الفردية و الجماعية الملحقة بها من ناحية، و بين منظومتها الثقافية من الناحية الأخرى. إن الثقافة ليست مكونا هوياتيا ماضويا، هي كل التفاصيل التي ننشىء منها المعتاد اليومي.

فصل الثقافة عن الماضي لا يحرمنا من التأكيد على الأهمية العليا التي تكتسيها الفعاليات الثقافية المتصلة بالجذور و التقاليد و الفلكلور، و هذا الانجراف الانطباعي الخلاب هو الذي يحيلنا الى التجربة الفريدة التي اختطها ناس الغيوان منذ مطلع مشوارهم الفني المتألق، هؤلاء العمالقة الذين انطلقت أسطورتهم من الحي المحمدي الكائن في قلب الاعتمالات الشعبية لمدينة الدار البيضاء.

بدأت المسيرة العريقة بحلقات غنائية تمتح من الميراث الثقافي المغربي الثري و ما لبثت إلا قسطا قليلا من الوقت، قبل أن تحقق انفجارا ثقافيا ما زالت ارتداداته توحد الذوق المغربي، بل إن هؤلاء الفنانين الوارفين يسمحون للقارىء المتأمل في سجلهم الفني الحافل بصياغة مفهوم جريء : " الذوق الجماعي " و اعتباره مقياسا مضافا لدراسة النشاط الفني عن كثب، أو للحديث، رغم صعوبة هذا التوجه التحليلي، عن نجاحه ( النشاط الفني) أو اخفاقه عبر اكتسابه لقيمة تاريخية/واقعية متجددة.

السؤال الأكثر الحاحا : كيف تمكن رجال منبثقون من رحم الحياة الشعبية المائرة و باستعمال آلات موسيقية محلية من توحيد قلوب جميع المغاربة ؟ سؤال آخر لا يقل ثقلا عن الأول : كيف تمكنوا من تجديد صفاء المكانة التي يملكونها في وجدان كل انسان مغربي؟ إنه الارتباط الوثيق بتقاليد هذا الشعب العريقة، موشحات الفلكلور المغربي التليد ، القول الحكيم المأثور، الآمال و التطلعات، التربية و القيم، التوعية، الانتصار للقضايا العادلة...كلها مواضيع احيائية تطرقت اليها أغاني ناس الغيوان البديعة. دون نسيان التصوف التعبدي و الحس الثوري الراغب في انتشال الوطن من أحزانه.

لقد أنشد هؤلاء العمالقة باخلاص متطرف نتلمسه في عمق و أصالة الصوت، و قوة المشهد ، و نزاهة الكلمة. أثقال المواطن المغربي و معاناة أفريقيا تحت الاستغلال الغربي الشرس و الاحتلال ، كلها صور التقطتها الذاكرة الجمعية رفقة البلابل المغردة.

كل هذا المسار الساطع كتبه بمداد الألم الأمل حملة الرسالة الفنية المغربية التي انتصرت على التقادم، إذ ما زالت مقطوعات ناس الغيوان تحظى باقبال رائج من لدن المغاربة مهما تكن أعمارهم و انتماءاتهم العرقية و الفكرية، و علام الاستغراب، فهؤلاء العظماء وضعوا التعريف الأمثل للفن الخلاق، عندما جعلوا منه بحق و بتواضع : حنجرة الضمير المغربي.

15 أغسطس 2010

ما تبقى من مثقف عربي

دلف إلى غرفة مكتبه…

طفق يبحث عن نصوص سردية…

و كلما عثر على أحدها وضع جردا للأفعال اللازمة و المتعدية. أنفق ساعات قليلة قبل أن يدرك أنه غدا كمية معرفية أنهكها مشوار علاج رجيم بين اللازم المتشدد و المتعدي البوهيمي.

لا يكتب لتحقيق أحلام ذاتية راودته منذ زمن يجهل منبعه و مصبه، لا يكتب عن الغموض القاتم الذي يلف ما كان ينطقه ممتلئا بآمال محروقة، القناعة الوطنية…التقويم التاريخي…المصير المشترك، كلها متفاعلات يشاء الواقع الكئيب أن تغادر نطاقها الموضوعي السليم لتتحول إلى كائنات تتلاعب بها ارتطامات المزاج و الوجدان.

يبنون على الأرض، و هو يبني في الهواء، منحوا الأولوية لمعالجة مشكلات الانشطار الذاتي قبل ايقاظ تطلعات انجاز وحدة موضوعية ما و هو يكتب بلا تثاؤب لمشروع أنجزته فكرة بسيطة تنتمي الى حق انساني كوني لا سبيل الى مصادرته بغير العنف المادي الوخيم، يريد وطنا، لا يفصل مقاساته أحد، يريد وطنا يبادله الاحترام و العطاء بمازوشية و سادية متكافئتين؟ لا. يريد وطنا يصله به نسيج من التساهم و التكافل في كل شيء. في المحصلة مطلبه واضح الملامح : وطن يقول له في لحظات يقظته و سكره : إني أحبك بلا تبعات، بلا تداعيات…يقولها بسلام…تحملها نسائم المواطنة إلى كل الأجزاء.

كن لازما أو لا تكن…كن متعديا أو لا تكن…

هكذا يصرح الواقع الصارم، لا وجود لمفاضلات أو اختيارات توافقية…و لم التوافق؟ هل التوافق مع الشيطان يمنح للوطن تقدما؟ ربما…فالوطن يبقى مجموعة أحلام انتهازية يعوزها الانسجام…لقد طارد أحلامه على حدة…يحاول جاهدا الامساك بالحلم بمعزل عن الحلم…حالما يساوره شعور الوصول إلى حلم، يتذكر بسرعة أنه نسي حلما آخرعند بداية الطريق.

هو حلم واحد…موضوع واحد…بتجليات متعددة…هذه هي الحقيقة التي ما زال يرفض الايمان بها.

اختتم رحلته السوريالية بطي ورقة الحلم و ترتيبها بين صفحات كتاب مهجور.

14 أغسطس 2010

ارتسامات الهزيع الأخير

https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhAa8vlyeAmlurhFSXiyHl1MAmdp0e6FR6gC92l4xTnm7h6JiKIXa3VSy61Lor1ujxECJ3DJllstDweEjJBdlcyl8F-kheLa7vBHA2GyQUMYwaUqwTmTcAb3SaXnzHoekG7nzaYnOPunViF/s400/l'amour.jpg

عندما ننظر مليا الى نقطة الالتقاء بين السماء و صفحة البحر الزرقاء، تنتابنا الكثير من الارتسامات المتلاطمة، نفكر بامعان و نستعيد مشاهد قديمة.


السفر عبر نقطة الالتقاء يبعث على الاطمئنان، و يخط بهدوء إحدى أروع صور الوجود، لكننا لا ندرك في غمرة تلك اللحظات السعيدة أن ما نراه مجرد وهم، فالسماء و البحر غير قابلان للتلاقي، لذلك ، يجب أن نقول لأولئك الذين يزعمون بالحاح أن الحقيقة تنثر الاطمئنان، إنهم مخطئون، فالوهم مصدر للاطمئنان أيضا. إذا كان كل من الوهم و الحقيقة ينشران الخوف حينا و الاطمئنان حينا، فكيف يمكن أن نعثر على الخط الفاصل بينهما.

عبثا نلهث خلف الفصل الشراحي بين المفهومين بمختلف تشكلاتهما الملموسة، إذ تساورنا فكرة خاطئة مجددا تربط بين الحقيقة و الواقع، للذين رحلت تأملاتهم صوب هذا الاتجاه في هذه الأثناء، أقول بكل اختصار : البحر و الشمس و الغروب و التلاقي أو اللا تلاقي، كلها كائنات واقعية.

لكل واحد منا حقائقه و لكل واحد منا أوهامه، و مقياس تقبلها لا يرجع الى الحقيقة بحد ذاتها أو إلى الوهم بحد ذاته، إنما يتصل اتصالا وشيجا بالمحتوى الجمالي، إذا كان الوهم جميلا فإننا نتقبله، و إذا كانت الحقيقة جميلة فإننا نتقبلها، بل إن الحقيقة كما هي تكافىء الوهم الجميل. إذا قمنا بجمع كل الحقائق الجميلة، فإن وهما جميلا واحدا سيكون أجمل منها دون ريب مثلما يكون وهم سيء واحد أسوأ من كل الحقائق السيئة.

لقد أوهمتني أنك تحبينني، و آمنت بهذا الوهم، تسلل الى ترتيب مكونات المعتاد اليومي، غدا كياني ، بحيث لا أكون أنا إذا لم أستشعر وجوده في كل صوب أوجه ناظري إليه و في كل فكرة تشق طريقها الى ذهني.

أتقنت صناعة الوهم...بيد أنه كان وهما جميلا، و بذلك يكون أجمل من كل الحقائق الجميلة.

04 يوليو 2010

لهيب الثلج

http://www.alrai.com/img/142000/142081.jpg

- 1 -

رمقتها من بعيد ..


- 2 -

قبل أن تدخل الى المقهى تبدى لي شبح امراة وديعة...ذكية...جلست الى مائدة مرتبة سلفا...كانت ترتدي قميصا كلاسيكيا يتيح للناظر السفر عبر تفاصيل جسدها...


- 3 -

نادت النادل...لم استطع التقاط هوية طلبها...عاد بسرعة و وضع كوب مستخلص التفاح و قد اعتلته ثلاث مكعبات ثلج...احتسته ببطء جديد...و وزعت نظرات لا مبالية على محتويات المقهى...لم تعر أي تفصيل ادنى اهتمام


- 4 -

عندما غادرت...تراءت لي مكعبات الثلج ذائبة.. فأرسل سؤال صخبه الى ذهني :
ترى ما الذي ذاب حقا في تلك الكأس المسكرة؟ أ هي مكعبات الثلج
أم هو قلبي؟

23 يونيو 2010

مدينة الجثث الزرقاء

الشعب يهتف على جنبات الطريق
يقرأ مرعوبا...
كتاب الولاء
في مدينة الجثث الزرقاء

يمر موكب الصنم سريعا
هتافات هنا... و هناك
و عبرات متقطعة بين الحين و الحين...
في مدينة الجثث الزرقاء

يحطم الصنم الصنم
يتوارى التاريخ...
و الشعب يهتف على جنبات الطريق
في مدينة الجثث الزرقاء

تطارد المقصلة الكلمات
سياط... و شواظ
أنصاف أجساد مازوشية
في مدينة الجثث الزرقاء

أفكار شاردة..
ثلاجة انتظار..
مذكرات أفكار باردة
في مدينة الجثث الزرقاء

أوراق مترنحة...
شاحبة اللون...
أبى الخريف أن يصادرها
في مدينة الجثث الزرقاء