30 أغسطس 2009

إلى صديقة لم أعد أتذكر ملامحها

التقينا على الطريقة الربيعية، ابتسمت الطبيعة و أنشدت احتفاء باللقاء، لم يكن أريج الصدفة إلا حسنة من حسنات الفصل المبتهج، لا قيمة في شعوري لتحضيرات اللقاء، كل ما أستطيع قوله إن الله أتقن الإعداد لذلك اليوم البعيد. طفقت أتفحص وجه الملكة ماري أنتوانيت في إحدى كتب التاريخ العتيقة، فأوحى إلى المشهد باسم:" لطيفة"، هذا ما ترسخ في الذاكرة، اسم بلا جسد، لكنه روح من النقاء و الإنسية تحلق بسعادة في خيالي الشاسع. أحاول لملمة كل الأوصاف المقتبسة من روعة الاعتناق المؤقت للماضي المسرور، غير أن الصورة الأخيرة، اسم يهمس بكل الإحتمالات، ما أروع أن يسافر الإنسان إلى غياهب الأيام الخوالي، لن تزعجه قتامة الواقع، لكن الأهم من التجوال المطلق رفقة العقل، فهو وحده من يركب الإحساس و يوقد الحنين بل و يسترجع الجمال المفقود.

تفاصيل اللقاء تلاشت، وما ظل صامدا علاقة انسانية صافية تأبى النهاية، في كل قطرة لامعة من قطرات فؤادين مزجهما القدر، تنبثق إرادة البقاء وعزيمة الإستمرار. اختارت صحبتنا المدرسة، و فدت الشمل بالنفيس طيلة ست سنوات متواصلة، تخللها اكتشاف الإنتماء و بناء الهوية واللمس الطفولي لمعاني الإستقرار و الإطمئنان التي استشرى في كل موقع من المجتمع أنها مهام مخصصة للكبار فقط، تقييم فاشل، فكأن الصغار لا يمتلكون الوعي الكافي لفهم مصطلحات الإجتماع البشري المستمدة من التطبيق اليومي، و على كل حال فإنني أعتقد أن لطيفة كانت صادقة و مصيبة في رأيها،:" نحن الدليل الحي على نجاح الاستقرار، فلماذا يصرون على القول بعجزنا عن استيعابه".

هكذا يرتسم فحوى كلامها في ذاكرتي، و ربما قد أكون أنا القائل. اجتماعات التأمل في الحياة كانت كثيرة ، فقد ارتشفنا رونق نسيان موعد التعارف البسيط ، منذ الأيام الأولى . هي من يؤكد لي أن سرعة النسيان مقياس لتوقع مصير العلاقة الإنسانية، وخاصة نسيان وقت التعارف، وبالإضافة إلى إشارته الواضحة لتقدم العلاقة، فإنه يتحكم في اكتمالها أو اخفاقها. لنا رؤيتان بريئتان ألفت بينهما أفكار مشتركة ، فقد بدأ الله و الكون بالدخول إلى امتداد التساؤلات. رغبة الإدراك لا يحتكرها الإكتساب العلمي، بل إنه قد يساهم في وأدها أو إجهاض تطورها في أفضل انجازاته. كما سيطر على تفكيري مبكرا، انبرت لطيفة للنضال ، رفضت لقب : " المتعلمين " بانطوائه المتعمد على انتقاص جسيم من كرامة الإنسان، وقاومت شيوع الإكتساب : " لسنا أكياسا بلاستيكية يستعملها الزبائن لمدد زمنية قصيرة، ثم يلقون بها إلى سلة المهملات أو يوجهونها لإعادة التصنيع "

السؤال الذي لا يزال يراودني : هل كانت تسعى إلى عالم مثالي يرتكز على صحة سلوك الفرد؟ قد أبالغ، و ربما تكون انطباعاتي متولدة عن التحاقي القسري بالكبار.

لحظة حميمية استوطنت ذاكرتي، مجرد قبلة، لا أدري متى حدثت، لكن المهم أنها حدثت. من عاداتنا الخالدة الإجتهاد في شرح الأحداث المؤلمة، أما ما نعتبره خيرا فإننا نكتفي و يجدر بناأن نستمتع به قبل أن ينفذ. هذا ما نستطيع أن نعامل به البهجة، الإستمتاع بها، خاصة و أننا في أغلب الأحيان لا نتحكم فيها، فلطالما ارتبطت بالصدفة. كأي باحث مبتدىء في متاهة الحب المثيرة، حلمت بقبل أخرى، و لم أتصور للحظة أن رصيدي سيجمد عند قبلتين: الفاتحة التي نقشتها بأحرف وامضة ساقية الماء قرب مكتب المديرة في المدرسة، و قبلة النهاية التي أقرها رحيل لطيفة مع أسرتها إلى مدينة أخرى. لدى استلامي للخبر، لم أتفاجأ، لكنني حاولت ابداء رفض أباده اصرار والدها على تسجيلها في إعدادية راقية، تفضل الصيت الرديء لإعدادية مدينتنا المكفهرة.

أتذكر أنها زارت منزلنا للمرة الأخيرة، و علمت من خلال شقيقي أننا شاركت في رحلة مع جماعة من الأصدقاء إلى الحقول المتاخمة للوسط الحضري. غادرت بهو المنزل بسرعة، لنلتقي أمام بوابة المدرسة… ورحلت.

يصعب علي أن أرسم ملامحها، بيد أن هذا الإخفاق المتقادم يخسر دوما أمام اقتناع شخصي بأن لطيفة كانت فتاة استثنائية.

28 أغسطس 2009

قطيفتان من جنائن فكتور هوجو


قصيدة : " إلى التي بقيت في فرنسا " لفكتور هوجو من إحدى روائع الأدب الفرنسي الكلاسيكي، و قد ترجمتها الى العربية كي تحظى بشيء من رؤى الهمسات الشرقية :

إلى التي بقيت في فرنسا

كوني أنت، ارفعي عينيك، أزيحي
هذا الرداء الجلدي الذي نقش التواءات شاحبة على جبهتك الملائكية
افتحي يديك، خذي هذا الكتاب، إنه لك.

هذا الكتاب المهجور الذي اعتقل روحي، كآبتي، أملي، حزني، خوفي
هذا الكتاب الذي يتضمن طيف حياتي،
هواجسي، انطباعات لحظة الغسق و هي ترتدي عبرات جافة،
الظل و عاصفته، الوردة و مدقتها،
هذا الكتاب بلون زرقة السماء، كئيب، من أين جاء؟
من أين جاء هذا الشحوب الذي يمزق الضباب؟
سنوات أربع خلت و أنا أسكن زوابع فناجين آخر المساء
هذا الكتاب لفظها كثيرا. كانت السماء مغرمة بلعبة الاملاء البارد
و أنا أكتب...أكتب فحسب.
لأنني قشة في مهب الريح. ارحل قالت الروح. و رحلت.
و عندما يتوقف نزيف يراع صفحاته، عندما يستعذب هذا الكتاب
أهزوجة الأمزجة الناعمة، عندما يطلق شهقته الأولى، عندما يحيا
كنيسة أخفتها المروج تدق جرس العبادة كلما تلاشى وجودي همست :
للخريف أوراق كثيرة ليسقطها..فأعطه بعض الوقت،
لقد صمت كتابك
سلمه لي بسلام...أيها الشاعر
البحر و قد رأى الكتاب يرتجف أردف بسرع : لماذا
لا تلقيه إلي...أ ليس شراعا متمردا؟
بل لي ينتمي هذا النشيد... قال النجم.
لمن تدخره؟ لصراعات الموقف عند هؤلاء الأحياء التائهين؟
امنحه لنا...نخبئه في أعشاشنا...نحمله على أجنحتنا...
قالت عصافير الكناري

قبل ردح من الدهر، و كلما عاد أيلول و زفرات الدمع تخنقه رويدا رويدا
أسافر كثيرا، أهجر كل ما يعرفني
أهرب من التحدي، أرى باريس تنطفىء
لن تأخذه الكنيسة...لا البحر و لا النجم و لا العصافير
هذا الكتاب لك...لك فقط.

تعليق :

لا يحتاج العاشق إلى انجاز زيارات تأملية لمرايا الطبيعة كي يثبت للآخر نظرة التكامل في الحياة. ضرورة التقاط شهادات الوجود حول صدق الحب تنتمي الى النطاق السوسيولوجي البحت، أما الحب فهو ذات واحدة لها انقسامات في المعنى و الجسد.

-------------------------------

في إحدى لحظات النشوة، و بعد أن جفف انطباعات الابحار عبر عوالم الأدب الفرنسي قال فكتور :

" أنا من ألبس الأدب الفرنسي قبعته الحمراء (أي قبعة الجمال في الثقافة الفرنسية)".

قصيدة : " غدا...منذ الفجر" رثاء كتبه فكتور لابنته ليوبولدين و التي ماتت غرقا بمحاذاة صخب الوجود.

و قد قمت بترجمتها إلى العربية :

غدا... منذ الفجر.

غدا...منذ الفجر..لدى التحاف القرية للبياض
سأنطلق، لأراك، أعرف أنك بانتظاري
سأمشي عبر الغابة، عبر الجبل
لم يعد باستطاعتي أن أكون بعيدا عنك

سأسير و عيناي مركزتان على أفكاري..
بلا سهو، بلا انصات لأي ضجيج..
وحيدا..مجهولا..مثني الظهر..متشابك اليدين
حزينا...النهار في رؤياي كالليل.

لن أتابع هطول المجيء المذهب للمساء
و لا مراكب البحر و هي تتساقط على هارفلور (1)
و عندما أصل، سأضع على قبرك..
باقة من البهشية الخضراء و الخلنج المورد (2)

(1) هارفلور : ميناء فرنسي.
(2) البهشية و الخلنج : نوع النبات الذي يكرم به الغربيون موتاهم.

21 أغسطس 2009

يوم آخر (قصة قصيرة)

اختار رصيف الانتظار بعد أن أنفق ساعات مرهقة قبل الحصول على تذكرة سفر إلى مكناس. الرطوبة و ارتفاع درجة الحرارة يضفيان قسوة رهيبة على جو العاصمة، الناس يلتجئون إلى المقاهي و المنتزهات حيث تخفف الظلال من شدة القيظ. ارتطمت هذه الأفكار المستمدة من أعماق المعتاد اليومي بذهنه و هو يتابع بتؤدة نشاط المسافرين، لكل واحد منهم وجهة محددة، لا يأتون إلى محطة القطار دون ادراك القصد من رحلة عبر آلات عتيقة. انتقادات الواقع لا تنتهي و لن تنتهي، بلا مشكلات متكدسة، فإن الواقع يفقد نكهته الخاصة، لا مناص من الاحتكاك بتحديات التعلق بالحياة.

المعلومات المسجلة بالتذكرة تشير إلى موعد انطلاق الرحلة، خمس ساعات صيفية أخرى للاستهلاك، و قد تنضاف إليها لحظات عسيرة، أصدقاؤه سردوا له الكثير عن مأساة مستخدمي القطارات، التنقلات البشرية المستمرة خلال العطلة تخنق النقل، في مثل هذه الأوقات العصيبة من السنة تخضع المواطنة لامتحانات عسيرة، بل إنها تتخلص من أدنى معانيها الآسرة، و على النقيض من الانطباع الشائع الذي ينشىء التناقض بين المثال و الواقع زمن الزخم المدني، فإن دائرة الأفكار المثالية تتسع، إذ يغدو الحصول على مقعد محترم داخل باص أو قطار متهالكين حلما بعيد المنال. بين اللحظة و اللحظة تتأجج حرب كلامية و أحيانا عنيفة بين المسافرين، هذا يزعم أن المقعد له و الآخر يؤكد أنه الأولى به…يتدخل ممثل الشرطة محاولا إصلاح الأخطاء المتكررة التي يرتكبها موظفو شبابيك بيع التذاكر، رغم الإملاءات الإدارية الواضحة بشأن تنظيم أرقام المقاعد تفاديا لصراعات زائدة، فلا يكاد ينتهي يوم واحد دون معاينة شجارات من نفس النوع. كان سليم يوزع نظراته الباهتة التي يتطاير منها سأم الإنتظار على مختلف المشاهد المؤذية التي تغص بها المحطة..فجأة جلس إلى جانبه رجل حفرت السنون أخاديد على وجهه ذي السحنة الكالحة، بادره بالقول بحنق :

- لا أفهم هذه الصراعات الهوجاء حول المقاعد، الأساسي في القضية بأكملها أن القطار اللعين سيتحرك، كلهم سيصلون إلى وجهاتهم سواء ركبوا في المقدمة أو في المؤخرة، خلال الصيف يتأهب أي قادم إلى المحطة لخوض غزوة أعصاب محرقة.

رمقه سليم ببعض النظرات الفاحصة و أجاب بلا اكتراث و هو يتابع بعينيه شابا يقتاده شرطيان إلى مكتب الأمن :

- نحن نعيش في غياهب مجتمع يفسر التسامح على أنه رضوخ لقوة الآخر أو خوف منه، إن تنازلت مثلا عن مقعدك، فحقارة الرجولة المنقوصة سترافقك إلى أن تصل و ستستمر في مطاردتك كلما استخدمت نفس المحطة.

استغرب الرجل من الجواب الشاحب الذي باغته به محدثه الذي يبدو أن غرابة الأطوار قد رسمت ارتساماتها الاعتيادية على وجهه المتفتح، تابع سليم حديثه الساخر من الواقع :

- يبدو أنك فلاح تعمل بضواحي مكناس، هل ستمنح بضعة أمتار من أرضك لجارك الذي يحتاجها لاستكمال بناء منزله؟ لا داعي لأن تجيب أخي، الرفض البات هو ما ستعرب عنه، و كلنا ننطلق من مبدأ الرجولة المنقوصة في كل سلوكاتنا.

تثاءب الفلاح قليلا، لمح الساعة الحائطية، و استطرد :

- ما نسعى إليه يختزل في الاستفادة من ادارات منظمة، القطار الآتي سيقلني، مضطر لانهاء هذا الحديث الشيق معك..فلتصحبك السلامة.

لم يجب سليم، لاحقت نظراته الفلاح المتعب و هو يهرول ناحية القطار للعثور على مقعد ضمن التشكيلة الأمامية الأكثر أمنا و راحة. اخترع الفلاح ازدحاما حارا قرب مدخل عربة المسافرين الأولى، بدأ اشتباكا بالأيدي مع أحد الوافدين…انفض النزاع باصطحاب بطليه إلى مكتب الأمن و انطلق القطار دونهما. ابتسم سليم، ثم ما لبث أن تفرغ لفحص هاتفه الخليوي، ركب رقما بانزعاج :

- سأتأخر قليلا عن موعد الوصول، جحيم صيف هذا العام يقضي فترة استجمامه في المحطة كالمعتاد.

- و لم لم تستقل سيارتك؟

- هل يتوجب علي يا زوجتي العزيزة أن أذكرك بما ينسيك اياه اغتسالك المستمر بمياه شلالات شكوكك؟ الطريق السريع بين الرباط و مكناس مقطوع لأشغال تطوير، لقد أعلنوا الخبر خلال النشرة الصباحية، بعد دقائق من الآن سيقدمون الأخبار مجددا، تابعي النشرة فالأكيد أن الخبر سيعاد. كنت أتوقع أن تغمريني بموجاتك الصوتية المثيرة فإذا بي أواجه بعبور الصراط الأخلاقي المضجر مجددا.

سمع وشوشة ضحكها، قبل أن تغلق الهاتف قالت :

- كانت سماء الإنتظار منذ الصباح ملبدة بغيوم الشكوك، لكن كلماتك تسمح للربيع بتحرير اطلالاته الانتهازية.

- عباراتك الرومانسية تتطلب استكشافا معقدا، سأعتبر هذا الكلام اطراء شخصيا. لقد التقطت قبلتك عزيزتي، تأكدي بأنني لا أريد لها أن تنتهي.

أقفلت الخط، الاذعان لدعوته اليومية إلى تجديد السفر عبر الجسد يتناهى لانتصاره، فهو لاعب محترف بالكلمات، و ينتقل بمزاجها من حالة إلى حالة، ينتشله من اللون الرمادي ليصبغه بالوردي…لا ركود للغة الجسد المغلفة بالكلمات المتلألئة أو ما يسميه اختصارا رحيق الأنوثة.

نفذت ساعات الانتظار تباعا، الملل يسرح و يمرح في خيالاته، قبيل وصول القطار أذاع أحد موظفي المحطة خبرا سارا، لقد قررت وزارة النقل تخصيص قطار اضافي للمواطنين الذاهبين إلى مكناس درءا لمشكلة الزحام حول المقاعد. وصل قطاره أخيرا، اختفى الزحام و توقفت حرب المقاعد إلى حين. بحث عن مقعد شاغر، و و جده بجانب سيدة توحي ملامحها بأنها تستحق ما يسميه الاحترام الكلاسيكي.

- هل هذا المقعد شاغر سيدتي؟

- أنا آنسة، أعتقد أنه شاغر، يمكن أن تسأل مراقب التذاكر.

- سأستعمله إلى أن يقرر المراقب أن شخصا ما قد حجزه قبلي.

ابتكر جلسة ما، و طفق يقرأ ما يصل إليه من الأخبار التي تضمنتها جريدة المرأة الجالسة إلى جواره. بحث بهدوء عن أي فرصة لاجتذاب محادثة استكشافية.

- مهرجان هذه السنة في العاصمة خيب آمال الجمهور المغربي.

- لقد وزعوا عليهم برنامج المهرجان مجانا، لم يجبرهم أحد على حضور فعالياته. يتراءى لي أنك تدرك أكثر مني أن الموسيقى تشبه الألوان في كل شيء، منها ما يناسبنا و منها ما يبعث على الانزعاج. نفس السيناريو المضجر كتبه الجمهور في مكناس خلال السنة المنصرمة، تذمروا من مهرجان فني أبدوا قبل انطلاقه اعجابهم بفقراته. الفن ينتهي إلى ماخور…شئنا أم أبينا.

- لا أستطيع ادانة أذواق الجماهير، أميل إلى الإعتقاد بأن أداء الفنانين المشاركين لم يكن مقنعا.

لم تجبه، و لم يبد هو أيضا أي اصرار لاستئناف الحوار، قرأت الجريدة لدقائق أخرى ثم طوتها و دفعت بها إليه…تابع باسهاب تداعيات الانشطار الذاتي المخيمة على المنظر السياسي الفلسطيني،قرأ و في عينيه بريق ساخر عن اللقاء المفاجىء بين الرئيس السوري و نوري المالكي و ابرامهما اتفاقات شراكة في قطاعات الأمن و الاقتصاد، استوقفته مقالات متفرقة للجمهور الفني تتناول مجددا رحيل رائد البوب مايكل جاكسون، استفزه تعليق لأحد المتابعين :

- لم أشاهد جاكسون يغني قط، غير أن حجم الحزن الذي خلفه رحيله يثبت أنه فنان استثنائي.

كي تكون استثنائيا في هذا العالم في نظر بعضهم، يجب أن يكون عدد المتأثرين بموتك ضخما. و لم لا؟ هذه وجهة نظر. لم يشعر بمرور الوقت، و أيقظه من غيبوبته القرائية توقف القطار في محطة مكناس، قبل بدء نزول الراكبين قالت السيدة الجالسة إلى جانبه بنبرة جادة :

- هذه أول زيارة لك إلى مكناس؟

- نعم..تقريبا..لم أزرها منذ ثلاث سنوات.

- أشتغل محامية هنا..إليك عنواني.

مع نزول المسافرين، حاول سليم تتبع المرأة، بيد أنها ضاعت وسط الوجوه و تقاطر الأشخاص على المحطة. سأل المارة عن العنوان، و كلما سأل عنه أحدهم أشاح عنه بوجهه و رمقه بنظرات تذكره بمبدأ الرجولة المنقوصة الذي تحدث عنه برفقة الفلاح على دكة الانتظار في الرباط. استوقف شرطي مرور و استفهمه عن العنوان، تفحص الشرطي العنوان ثم ما لبث أن ضحك :

- ضحية أخرى، تلك السيدة محترفة حقا. نحن نلاحق هذه السيدة منذ أسبوعين، تنتحل صفات متعددة : طبيبة، محامية…لقنص بعض الطرائد من أجل ماخور تديره يشير إليه العنوان الذي معك سيدي. و قد ثبت أنها تفضل اقتناص المتزوجين لافتعال بعض المهاترات الرخيصة.

- أشكرك سيدي.

واصل سليم مشواره إلى بيت جده حيث ترقب زوجته عودته، سيطرت عليه أفكار حالكة، السيدة لم تسأل حول ما إذا كان متزوجا أم لا؟ ما الذي يعنيه أن لا…رفض مواصلة الحفر في أغوار التساؤلات التائهة، ردد جملة واحدة قالتها المحامية المزيفة :

- الفن ينتهي إلى ماخور..شئنا أم أبينا.

16 أغسطس 2009

حكاية منحدر (قصة قصيرة)

لم يكن صباح الثامن من أغسطس كغيره من صباحات حياة قررت أن تؤول نحو رتابة قاتمة، جمعت الأم المنهكة بمسؤوليات مزدوجة، امتدت لسنين ثقيلة، خلال الليلة المنصرمة أطفالها الثلاثة، ارتسمت على وجهها الكئيب ابتسامة مترنحة :


- سيعود يا أولادي، لقد وصلنا إخطار رسمي من دائرة الشؤون الإجتماعية بالجيش، أخبروني أن مهمة فرقته قد انتهت و الإجراءات قائمة لاستعادتها إلى الوطن.

اجتاح صمت رهيب غرفة المعيشة المكونة من تلفاز قديم و بعض الكراسي الخشبية المهترئة المحيطة بطاولة أضفى عليها الإستعمال المتكرر طابعا تجريديا حالكا. لم يكن موقف الأطفال مستغربا، فقد أنفق هذا الجسد السقيم المترامي أمام أعينهم الباهتة أعواما أليمة يقدم وعودا شاحبة، لم يتحقق أي منها. وعدوا بملابس جديدة يباهون بها أمام أترابهم، وعدوا باقتناء لعب، وعدوا بالذهاب إلى مدينة الملاهي. آمال نسجتها كلمات تائهة، تحاول دائما الفرار من قسوة الواقع عبر اختلاق الأوهام الجذابة.

مضى وقت سحيق، لا يكاد يميز خلاله الأطفال بين العيد و ما عداه من الأيام. حين أرخى عيد الأضحى في السنة الماضية بظلاله على ساكنة المدينة انتشر الفرح، أصدقاء التقوا بعد غياب، عائلات التأم شملها احتفاء بيوم العيد…المدينة في هرج و مرج، غرف المعيشة في كل منزل غاصة بالأصدقاء و أفراد العائلة، أحاديث نشيطة عن الماضي المبتهج أو الحزين…إنها الحياة تسري في شوارع المدينة و أزقتها. كان أحد المتسكعين يلعب بقطعة نقدية، ارتفعت عاليا…بعد أن قضى مشواره يحصل عل نفس الواجهة، ابتعد قليلا عن مصابيح إضاءة الشارع، فحصل ما كان يتوقعه، التعاسة ظهرت، الواجهة الأخرى للقطعة النقدية وضعت حدا لإضرابها الخائف من النور…قبل أن تستقر القطعة النقدية المزيفة في كف المتسكع، لاح مشهد الأم و أطفالها في ليلة العيد…لقد ناموا منذ الساعات الأولى للمساء…العيد هو كاللاعيد…صراع لاهب مع الوقت…سؤال خريفي يلقي بانطباعاته السوداء على الأسرة الصغيرة : متى يعود؟.

- أطفالي هذا خبر مؤكد، لقد وصلنا من جهة رسمية فلم الوجوم؟

كان أكبر الفتية قد أنهى التعليم الإبتدائي، امتلك بعض الجرأة المخذولة ليقول :

- كل الأخبار السابقة كانت تردنا من جهات رسمية، و لم تكن لمرة واحدة صادقة. كل ما نريده خبر صادق واحد، وعد يتيم قابل للتطبيق.

لا فائدة ترجى من الإسهاب في نقاش مستعمل، صار له نفس عمر أوسط الأطفال. سبع سنوات. سبع سنوات كاملة من الإنتظار…و لاشيء تملكه البراءة سوى الإنتظار كلما اخطفت منها نضارة الطفولة أو ربما آخر همسات الذكرى. هل يجوز للإنسان أن يسرد تاريخه الشخصي بمعزل عن الطفولة؟

التأم الصبية الغرثى حول الفراش بعد أن رفضوا تناول العشاء. قرأوا جميعا في ملامح الأم نزرا يسيرا من الجدية. وشوشات مفعمة بالأمل دارت بينهم. طفقت الأم تصغي لأحاديثهم الهادئة، فرسمت رغما عنها ابتسامة شاحبة…لقد صدقوها هذه المرة. و ماذا يعزب عن الصدق؟ لا شيء…هي أيضا صادقة…إن كانت الورقة الرسمية صادقة. لقد كتبوا أن الفرقة العسكرية التي ينتمي إليها أكملت دورها، و هي تتهيأ للعودة.

استيقظ الصغار يحذوهم الأمل ممتزجا باحتمالات الصدمة منذ الفجر، و رغم أن موعد الباص هو الثامنة و النصف، إلا أن رصيف المسافرين استهل هذا اليوم الإضافي من العمل بثلاثة صبية و سيدة…بعد انتظار فاقت لوعته سنوات الترقب العجاف، و كأن الأمل المختلط بعيون لاهثة تبحث عن الباص استسهل الاحتراق عندما ظهر الباص المهترىء في الأفق يسبقه صوت مزعج. ازداد اطمئنان الأطفال حين عثروا على أصدقاء لهم من مناطق متفرقة قدموا للقاء آبائهم. يبدو أن شبح الوعود المزيفة قد تلاشى…

قيظ أغسطس، و طابور الأسر الذي أحاط بالبوابة الرئيسية لمبنى دائرة الشؤون الإجتماعية كلها متفاعلات انتهازية حامية الوطيس، بيد أنها تمنح للأمل الطفولي طاقة متجددة…الكثير من العائلات تتطلع للقاء الغائبين، لتجديد طقوس العشق…لاسترداد الدفىء الأسري…كلهم هنا، سبقوا الموعد المحدد. و بينما انهمك الإداريون في تفسير قواعد الاصطفاف لدى الآليات العسكرية و كيفيات الاستقبال، سمع على بعد أمتار دوي شاحنة عسكرية عملاقة…إنها الفرقة الخامسة، لقد وصلوا أخيرا…أهازيج الجنود ملأت المكان هيبة و خشوعا…اشرأبت الأعناق عل ملامح الأب أو الأخ أو القريب تتخطى سراديب الغياب المكفهر…دخلت الشاحنة من بوابة أنزلت بها حراسة شديدة…صدرت أوامر بتنظيم لقاء العائدين بأقربائهم، تفاديا لأي انفعالات عاطفية مبالغ فيها…لا بد من انجاز البروتوكولات الرسمية.

لا أحد باستطاعته أن يصف الحالة النفسية للعائلات، مزيج غريب من المشاعر يفوح من وجوه أنهكها الإنتظار…تحترق كي تبقى جذوة الأمل متقدة. أحد الأطفال الثلاثة، ربما كان الأكبر قال و هو يرسم برجله خطوطا متداخلة على الأرض المغبرة :

- انتظرته حينما كان غائبا، و أنا الآن أنتظره و هو على بعد خطوات مني.

أخيرا انتهى العرض العسكري الموشى برفع العلم و ترديد النشيد القومي، بدأ الغائبون يتوافدون على عائلاتهم…مناظر انسانية مؤثرة…كانت الأم محاطة بأطفالها الثلاثة تبحث بطريقة فوضوية بين الوجوه، تحدق في الابتسامات، أين هو؟ أصغر الأطفال الذي تركه الأب جنينا لم يفهم شيئا، كان باردا جدا و مشغولا بالتهام قطعة شيكولاته. تقاطر الكثير من الآملين على المبنى…

ما أقسى اكتظاظ آمال الفقراء.

- سيدي أبحث عن زوجي هذا اسمه.
- الإسم وارد ضمن مجندي الفرقة الخامسة، لكن لا يوجد أي سند قانوني يثبت الزواج
- أرجوك سيدي تفحص الوثائق جيدا لا بد من وجود خطأ.
- لا يوجد أي خطأ، لا يوجد أي سند يثبت الزواج، الجندي الذي تسألين عنه عاد من أرض الحرب قبل شهرين، و قد حضرت شخصيا بعد عودته حفلة زواجه.

خرجت الأم من مكتب الاستعلامات صامتة، حملقت في وجوه أطفالها الثلاثة :

- لقد منحتنا الجهة الرسمية وعدا كاذبا مجددا، لكنها هذه المرة حاولت تحطيم كرامتنا، لقد أرادت الصاق صفة : " وغد " بوالدكم و هو راقد في سلام منذ سنوات.

12 أغسطس 2009

تحليق على الهامش

في الديمومة

يحاول الإنسان في هذا الوجود الصاخب، أن يثقب السماء بارتساماته المتمردة، اعتقادا منه أن للأسفل دوما نهاية. و على النقيض من الفكرة الشائعة التي تربط خلود الإبداع البشري كشيء موضوعي، ككتلة من الانطباعات و الآراء بالحاضر، فإن الماضي لا يتوقف و المستقبل لا يتوقف، الحاضر هو الذي نقول عنه و نحن مطمئنون : " لقد انتهى ". فلماذا نربط الخلود و الشهرة التي تجسد غايات لا متناهية التحديات بامتداد زمني قابل للزوال؟

يتوجب على الإنسان أن يدرك حقيقة لا نسبية فيها، هذه الحقيقة التي نتجاوزها خوفا تقول بكل وضوح : " الإنسان مجرد ذكرى و عليه أن يسعى جاهدا من أجل تجميل ذكراه في أذهان الآخرين ".

الإنسان يواجه نوعين من الرحيل : نوع بيولوجي محض يمكن أن تتحكم فيه متفاعلات نفسية و اجتماعية و وظيفية، و نوع إنساني محض وحده الإنسان المعني به من يملك صلاحية التصرف فيه.

إن من يضعون الرحيل البيولوجي في مستوى هام يقرؤون بهدوء التاريخ من واجهته الأمامية المليئة بالتزييف، و رغم ذلك فهذا النوع من الرحيل يسمح لنا بقياس مدى نجاح تجربة اسقاط جزء من الماضي على المستقبل. باستطاعتنا إذن أن نخلق تغييرات في صالحنا عبر الماضي لأننا نقترب منه رويدا رويدا و المستقبل هو المرآة التي تعكس بصدق تطور هذا الإقتراب(رغم أننا لن نعيش المستقبل)…
أما الحاضر فقد عشناه و انتهى.

07 أغسطس 2009

السينما..السياسة..العلم..الفلسفة في متجر العولمة للعم سام

منذ أن انطلق مشوارها التاريخي الحافل، و هوليود تصنع دون ملل أو تثاؤب أفلام رعب و حرب، شعارها الأسمى مشاهد إراقة دماء الإنسان من أجل أن تنعم الإنسانية بالسلام و الاستقرار. قد تنطوي الحلول السلمية على فعالية وازنة إزاء القضايا الأخلاقية و الفكرية، لكنها تفقد كل أسباب الوجود عندما يكون الهدف حماية المصلحة القومية للولايات المتحدة المرادفة طبقا للرؤية الهوليودية للمصلحة الكونية. فميل جيبسون في فيلم بلاتون الذي أنعش في الذاكرة الأمريكية مآسي فيتنام ساعد السياسيين الأمريكيين على تخطي الارتدادات الجماهيرية العكسية لكارثة فيتنام من خلال البطولات الفائقة التي أظهرها جنود اليو إس آرمي و هم يواجهون الإرهاب الفيتنامي. و على النقيض من الحقائق الموثقة و في صدارتها شهادات الناجين من هول الحرب و الذين يعاني أغلبهم من إعاقات جسمانية دائمة المؤشرة إلى الرعب الفظيع الذي عاشه الجنود الأمريكيون، فإن ميل جيبسون أبدى بسالة نادرة و هو يسحق منفردا العشرات من المقاومين الفيتناميين. نفس المحاكاة و التحوير نجحا في إزالة آثار الإخفاقات العسكرية الذريعة من رفوف الذاكرة الجمعية الأمريكية في أعمال سينمائية تطرقت للعمليات العسكرية التي نفذتها اليو إس آرمي في كل من الصومال و العراق و أفغانستان. كانت ملاحظة السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم قيمة لدى قوله بأن أسهل معبر يسمح بتزييف الحقيقة التاريخية هو المعبر المؤدي إلى ما سماه الذاكرة الجمعية. و باستعمال الدعايات الاشهارية التي تستهلك ملايين الدولارات أنجزت هوليود مواطنا أمريكيا شغوفا بالسينما رغم استهتارها الصارخ بالتاريخ.

الواجهة الهوليودية لا تحكم السيطرة على فن السينما في أمريكا، حيث تعالج العديد من الأفلام قضايا أحادية العمق الفلسفي، يجدر بنا أن نلاحظ بوضوح أن السينما الأمريكية لا تتناول بواسطة الأسلوب الموضوعي التقليدي، المختزل في إعادة تشكيل الواقع على الشاشة، المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها فئات عريضة ضمن المجتمع الأمريكي، و إنما تفضل إذابة المشكلات الإجتماعية في وسط ثقافي، و هكذا تتحول الغيتوهات النائية الممتلئة بالمواطنين السود و المتسمة بتفشي أشكال متفرقة من الجريمة إلى شكل ثقافي يميز التنوع و التعدد الذي تحاول الولايات المتحدة تسويق أحد أرقى النماذج بخصوصه. بالنسبة إلى المتابعة المرتكزة على المنهج السوسيولوجي البحت، الأنماط التعبيرية عن القسوة و التي ابتكرها السود تحيل إلى معوقات اجتماعية تقليدية، لكنها تعبير فني متطور يعكس الخصوصية الأمريكية الإفريقية . من خلال مقارنة بسيطة بين أعداد الأفارقة في أمريكا و سياسات البيت الأبيض اتجاه إفريقيا تتعرى مفارقة عميقة يختصرها سؤال محوري: هل الأفارقة الأمريكيون مازالوا أوفياء لأصولهم؟ من خلال المشاهد السينمائية التي تكرس للتبعية الدائمة بين البيض و السود بعد انتهاء عهد الميز العنصري ، و باعتبار القيمة الديمغرافية و الوظيفية التي حققها السود في الولايات المتحدة، فإن شيئا اسمه : أصل إفريقي تلاشى بصورة شاملة في الذاكرة الأمريكية للمواطنين السود. غير أن هذه الحقيقة لم تحصل بعد على القدرة الاقناعية الكافية، فالاستقبال الذي خصصه العالم و تحديدا الأفارقة لولوج حسين أوباما إلى المكتب البيضاوي شبيه بالاستقبال الذي منحه الجنوب إفريقيون لمقدم مانديلا إلى الرئاسة. يبدو أن السود و أنصار الواقعية السياسية في المجتمع الأمريكي يتوقعون أن تكون فترة باراك حسين مفعمة بالمعجزات. بالنسبة لآمال السود، فإن الخصوصية التي يؤمن بها الأسود الأمريكي تقضي عليها، أما الواقعيون الأمريكيون فالتشابه الغريب بين إسم الرئيس الجديد و أسم الرئيس العراقي صدام حسين الذي اتهمته بروباغاندا بوش بمحاولة زعزعة العالم، يتقاطع مع تصريح الوزير برنار كوشنير الذي أورد فيه: أن حسين أوباما لا يمتلك عصا سحرية.

بالرجوع إلى البعد الفلسفي في السينما الأمريكية، فإن إشكاليات عويصة أحيتها السيناريوهات المدققة، تماما مثلما بدا واضحا في فيلم القانون و النظام من بطولة روبرت دو نيرو و آل باتشينو، كانت فكرة ممتازة، جمعت بين التناقضات المعقدة بين القانون و علته الغائية التي هي النظام، تناقضات متنوعة تبتدئ بالرابطة المثالية بين العنصرين انتهاء بالاستحالة المادية بينهما، فالقانون يستخدم اللانظام لإرساء النظام. و كاستنتاج نظري، تجسد في الفيلم، فإن خرق القانون بمثابة جسر نحو تحقيق النظام. في فيلم الآخرون و الذي جسدت دور البطولة فيه نيكول كيدمان، تكتشف عائلة أرستقراطية بعد صراع مرعب مع دخلاء في دهاليز و غرف قصر بورجوازي فاره و معزول، أنها ماتت منذ سنين بعيدة. السيناريو يقدم الكثير من الدروس الحياتية و التي يمكن أن تستثمرها السياسة الرسمية الأمريكية و من بينها أن الهدف يتكون من شيئين منفصلين: “الإصرار” و “مادة الهدف” و على الشخص العاقل أن لا يبحث عن مبررات مخترعة لعنصر الإصرار الذي يشبه إلى حد بعيد عدد أفوكادرو في علم الكيمياء و الذي يبقى ثابتا بالرغم من استخدامه لدراسة العديد من المعادلات الكيميائية. أما مادة الهدف فهي شبيهة بالتفاعلات الكيميائية المتسمة بالثبات الخارجي، لكن عناصرها متغيرة. بالرغم من المساوىء التي تفرزها السينما الأمريكية، تظل التأملات البانورامية التي يستغرقها الإنسان في الثقافة الأمريكية منتجة على مستوى صناعة المفاهيم، فالعلم و الفلسفة و السينما و السياسة تشكل مركز ثقل ذلك المجسم المادي تارة و اللامادي تارة و الذي سماه العم سام :العولمة. و أختم بقولة مشهورة للمثل إيستوود : “في هذه الحياة، هناك من يمتلكون الريفولفر و هناك من يحفرون، أنت سوف تحفر”. ربما كان إيستوود يقصد ب :”أنت” الإنسان غير الأمريكي و هذا يذكرنا بسياسة :”إذا لم تكن معي فأنت ضدي” التي تبناها الرئيس جورج بوش قبل أن يسدل الستار عليها بمشهد رشق الرئيس الأمريكي بالحذاء.

نصوص قصصية قصيرة

الرحيل :
تثاءب قليلا قبل أن يستيقظفتح بهدوء نافذة كوخه المتهالك الوحيدة،و عبر أوسع ثقب وجده في الستاربدا لعينيه الباهتتين أن غيوما مكفهرة قد سبقت فجر ذلك اليوم الكئيب.استغاث بمرآة قديمة كي يتفحص ملامح وجههحينما حملق في الصورة المعكوسةألفاها جمجمة مبتسمة….بلا عظام
—————————
رشوة :
(1) رشوة أم سعر عرفي؟
لمح السائق المتثائب نقطة ضوء حار قادمة من أمامه على بعد أمتار قليلة، أدرك أن رجال الدرك يتهيؤون لإيقاف عربته الثقيلة بعد أن تبين من صوتها أنها تحمل وزنا يفوق القدر المسموح به طبقا للقانون. كانت الشاحنة محملة بمخزون خبز و متجهة صوب قرية معزولة، يعيش سكانها السذج، أصحاب الأفكار البدائية هادئة الوطيس، على الخبز الرديء القادم من المدينة البعيدة.
و قبل أن يطفىء السائق المرعوب المحرك، فوجىء بأمر شديد البرودة :
- انزل، لقد ارتكبت مخالفة حمل وزن زائد- أعتذر حضرة الضابط، لكن كيف…- الصوت المتهالك يثبت المخالفة ضدك، لا فرصة للإعتراض.
بدا الضابط غبيا و هو يستعد لتحرير محضر المخالفة، إذ لا يوجد أي رجل أمن بمثل غبائه المزيف، أ يدل صوت عربة عتيقة على وزر مضاعف؟ ما الفائدة، إذن، من استحداث مراكز قياس أوزان الشاحنات عبر محطات متفرقة من الطريق؟
- ما هو السعر القانوني للمخالفة حضرة الضابط؟- 850 دولارا لا ينقصها سنت واحد.- و ما هو السعر العرفي؟- 50 دولارا.
(2) رشوة اجتماعية الهوى؟
تفحص رجل الأمن الورقة النقدية، وضعها بتؤدة في جيب بذلته البالية و أذن للسائق باستكمال رحلته. غادرت الشاحنة الحاجز بسلام، و وصل الخبز دون تأخير إلى الجياع.
———————————–
انهيار :
عندما بدأت خطواته تتسارع، كان يوزع نظراته المترنحة على جوانب العالم المتقلص من حوله…اقترب من الجسر الشاهق، حملق بهدوء في مراكب الصيد الواقفة عند حافة الشاطىء…كانت كل ملامح وجهه كئيبة، توحي الى المسافر عبرها بحقيقة وحيدة، إنه يودع هذا العالم.
ألقى بشارة الإنتماء لسلك الشرطة إلى البحر، استخرج الريفولفر بهدوء، و أفرغ الرصاصة الأخيرة داخل رأسه. تمايل جسده قليلا قبل أن يهوي إلى البحر الذي ابتلع الإنسان و التاريخ بعيدا عن صخب الوجود، لدى انتشال جثته عثروا على ابتسامة باهتة رسمها بعناد على شفتيه، كما كانت يده اليمنى قد عصرت صورة سيدة و أتلفت تقاسيمها التعريفية.
———————————-
الوصية :
تلاحقت الأنباء عن احتلال مقاله حول مفهوم تداول السلطة لإهتمامات معظم وسائل الإعلام الوطنية و الدولية. تلقى رسالة تهنئة فارهة من رئيس نقابة الصحافيين و العديد من الهيآت الحقوقية و السياسية. طفق يكتب مقالة الغد إلى أن دلف مدير التحرير إلى مكتبه المكتظ بالأوراق :- ماذا تكتب للغد أستاذ أليم؟- على رأي ناجي العلي، أكتب وصيتي.بدا أن الفكرة راقت مدير التحرير، غير أنه استدرك بصوت مترنح :- أستاذ أليم، أتمنى أن تفسر للقارىء أسباب شغفك بالإنطباعات العالمثالثية.