23 يونيو 2011

جذور إحباط المصالحة

فوجىء الكثير من متابعي الشأن الفلسطيني بالتصريحات المستجدة للسيد محمود عباس و التي قد تفضي إلى إعاقة مشروع المصالحة بين " فتح " و " حماس " باعتبارهما الحركتين المتصدرتين للمشهد السياسي الفلسطيني. مثل هذه الأحداث تفسر بالأسلوب الموروث عن جمال عبد الناصر و التيار القومي المرتكز على نظام الحزب الوحيد الذي يقود الدولة و المجتمع طبقا للدستور الذي يعتمده النظام المترنح في سوريا مثلما تفسر بالالتباس المخيف الذي يتخلل تصور الإسلاميين للديمقراطية. 
لقد نشأت حركة " حماس " في العام 1987 بعد أن تحقق تراكم سياسي أرغم المسار الفلسطيني تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على التعايش مع أطروحة السلام التي اكتسبت إشعاعا مضافا جراء الانكسارات العسكرية العربية منذ 1967.
 كان متوقعا أن تتشنج العلاقة بين تنظيم إخواني كحماس و تنظيم ذي صبغة يسارية كمنظمة التحرير الفلسطينية. الحديث عن " الصبغة اليسارية " بدل " الانتماء اليساري " يجد تبريرا لافتا في مزج ياسر عرفات و رفاقه، على غرار كل معتنقي الفكر القومي،  بين مفهومين متنافرين : العمل لفائدة القضية الفلسطينية داخل الإطار القومي العرقي العربي، و الميل البارز نحو الأفكار العلمانية و اليسارية. إحدى نتائج هذا المزج غير المتوازن تجلت في سياسة الاقصاء التي مارسها جمال عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين، و الذي استمر بعد رحيله، رغم أن المذهب القومي يؤمن بالتعددية السياسية عبر ايمانه بالجواز الديمقراطي لمشاركة جميع الإتجاهات الفكرية في السلطة من خلال آلية التناوب الانتخابي. 
بقاء الإخوان المسلمين بقوة داخل المعترك الأيديولوجي يستمد حيويته من تأسيسه على عنصر غير أجنبي قياسا إلى المركب الثقافي العربي و هو الإسلام، بخلاف الفكر القومي الذي استورد مفهومي الوحدة العرقية و العلمانية من الخارج. هذا السبب  الوجودي الموضوعي لا يلغي تأثير الإيمان بحياة أخروية يدفع معتنقي الموقف الفكري و السلوكي الإخواني إلى مواجهة العراقيل التي تصطدم بنشر أفكارهم في عالم يتجاوز استيعابه الجغرافي الإستيعاب الجغرافي الذي نادت به القومية العربية.
إن عامل الموضوعية أو الواقعية السياسية مقرونا بعامل القناعات الإيديولوجية يفرضان الحركة الإخوانية كمكون ضمن المكونات المحورية للمشهد السياسي الإسلامي و العربي. 
بعيدا عن الإسهاب التحليلي، فالإخوان المسلمون فكر قائم و من الضروري التعامل معه و قد أثبت أهميته العميقة من خلال تشكيل فروع له في أغلب البلدان العربية و الإسلامية و صموده أمام سياسة الإستئصال التي انتهجها جمال عبد الناصر و المتجسمة، على نحو امتدادي، في التصريحات غير البناءة التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بينما الفلسطينيون ينتظرون بلهفة و ترقب نتائج مساعي المصالحة.  
إلى جانب إرث تاريخي غير بناء، وضع التشظي الوطني في فلسطين راجع إلى عزوف الشعب الفلسطيني عن حراسة اختياراته الديمقراطية و عزوفه عن إظهار القدرة على تحمل تبعاتها. انتخاب ساركوزي و جورج بوش بواسطة أساليب ديمقراطية أثار موجات ندم في صفوف الناخبين. الواضح أن كل شعوب العالم تتعايش مع نتائج اختياراتها الديمقراطية، لأن المثالية السياسية غير موجودة، و في المقابل، توجد الديكتاتورية  و الإستبداد...
في المقابل، لا مناص من الإقرار بأنه يلزمنا وقت مطول داخل سياق الأزمة العربية لإنجاز الفصل الحاسم بين حرية الأقدمين التي منحت الأولوية للجماعة و حرية الحداثيين التي تمنح الأولوية للفرد. قال أحد رهبان الكنيسة زمان سيطرتها على أوروبا : " كي تكون الجماعة حرة، يتوجب على الفرد أن يكون عبدا "
السؤال، إذا،  الذي يتوجب أن يجيب عنه الإسلاميون، خصوصا بعد الانتفاضات الشعبية :
- هل تبني الخيار الديمقراطي، الذي يعتبر أحد ابتكارات الحرية الحداثية، قرار استراتيجي أم قرار تكتيكي ؟
لدينا جواب محبط أدلى به علي بلحاج، الزعيم الإسلامي الجزائري الشهير، في بدايات التسعينات حينما أكد أن تياره سيستعمل الخيار الديمقراطي  - صناديق الاقتراع - للوصول إلى السلطة، لكن بمجرد تحقيق هدفه، فإن حرية الجماعة ( الإسلامية ) ستحيا مجددا.

إن تمكن الإسلاميون من صياغة مقاربة عقلانية و مستديمة - علمية - لإشكالية الحرية داخل النسق الإسلامي عبر أبعاده الثقافية و الحقوقية و السياسية، فإن الكثير من الملاحظين سيراجعون استنتاجاتهم بعمق قبل الإدلاء بأي رأي حول ما يسمى " الإسلام السياسي "