24 فبراير 2011

سوريا و الإستثناء

من الثابت أن التواري وراء الشعارات القومية أو الإسلامية لشرعنة الدكتاتورية قد أصبح ورقة محروقة تماما، فالذين كانوا " معتدلين " عند الغرب و " دكتاتوريين " عند شعوبهم يقومون بنفس الدور الذي يقوم به " الممانعون " عند الغرب و " الدكتاتوريون " عند شعوبهم حيث أن هذين النوعين المختلفين ظاهريا من الحكام متشابهون عند شعوبهم.

وضوح رسالة التغيير يفقأ الأعين، الشعب يريد أن يكون حرا.

======================================

في خضم الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت تونس و مصر و ليبيا، تحدث بإطناب مثقفو النظام عن ما أسموه " الاستثناء السوري "، فسوريا، حسب أنصار أطروحة "الاستثناء السوري" لن تشهد اندلاع أي شكل من أشكال الرفض الشعبي للحكم البوليسي الرهيب الذي يفرضه نظام الحزب الوحيد. و لتبرير التقديم الإعلامي الواسع ل " الاستثناء السوري " أدلى مثقفو النظام بمسوغات غير موضوعية.

أحد المسوغات التي يحتمي بها أنصار النظام السوري هو تشتت المعارضة السياسية و انخفاض قدرتها على التأثير في الجماهير. أصحاب هذا التوجه يجهلون أو بالأحرى يتجاهلون حقيقة مُدوية لفظتها الانتفاضتان الشعبيتان في كل من مصر و تونس، إذ تابعنا جميعا أن الفعل الاحتجاجي صدر عن الشباب المتطلع إلى الديمقراطية بينما لم يظهر أي دور فاعل للمعارضة السياسية إلا بعد تنحي الرئيسين، بل إن ممثلين عن المعارضة السياسية سواء في مصر أو تونس وافقوا على الحوار مع الرئيسين السابقين في حين التزم الشباب بمطلب التغيير الجذري.

كلنا نتذكر موافقة الحزب الديمقراطي التقدمي المعارض في تونس على التفاوض مع بن علي مثلما وافق الإخوان المسلمون و ليبراليون معارضون في مصر على التفاوض مع مبارك في الوقت الذي استمرت خلاله الاحتجاجات العارمة المطالبة برحيل النظام.

المسوغ الآخر الذي يروج له أنصار النظام السوري هو المشروع القومي الذي يتبناه الرئيس بشار الأسد. و رغم أن الإجابة الرسمية السورية إزاء أي اعتداء اسرائيلي على السيادة السورية هو " الاحتفاظ بحق الرد "، فإن هذا الرد أمضى ما يقارب ال40 سنة دون أن يتحقق.

مُسوغ " المشروع القومي " يفسر ضآلة اهتمام قناة " الجزيرة " بمجريات الواقع الشعبي السوري، حيث أن إعلاميين بارزين في القناة لا يخفون دعمهم للسياسة الإقليمية للنظام السوري مندمجين في ذلك مع الخط الإعلامي العام للقناة و المحدد من قبل وزير الخارجية القطرية الذي هو مالك القناة التي وفرت تغطية تفصيلية لأحداث تونس و مصر و رافقت الشعبين طيلة مسيرة الإطاحة بالرئيسين السابقين.

إننا نعلم أن السياسة الخارجية القطرية ممالئة لنظيرتها السورية و التصنيف السياسي الأكثر شهرة في الشرق الأوسط المشمول بالعناية الفائقة لقناة "الجزيرة" يضع سوريا و قطر و إيران ضمن نفس المحور السياسي الذي يهتم بقضية لبنان و قضية فلسطين لإتاحة الفرصة أمام التصرف الإيراني و الأمريكي في القضية العراقية و قضية عروبة الخليج و الأحواز، و قد لاحظنا في نفس السياق هزالة التغطية الإعلامية التي خصصتها قناة الجزيرة لمظاهرات العراقيين ضد المالكي و ضد النفوذ الأجنبي في بلدهم.

ما نلمسه في الخطة الإعلامية لقناة الجزيرة هو خضوعها للسياسة الخارجية لقطر. لا أحد يطلب من قناة الجزيرة أن تكون مستقلة إزاء من أوجدها و يمول استمرارها، ما هو مطلوب من قناة الجزيرة هو الكف عن الإدعاء بأنها منبر إعلامي محايد.

إن المظاهرات في مصر و تونس اتسمت بالوطنية المعمقة و الواعية و صمد المتظاهرون حيال القمع الشرس من أجل دولة وطنية محكومة بالقانون و بالمؤسسات، محمد البوعزيزي و كل مواطن أحرق نفسه، لم يقم بذلك لأجل قضايا خارج وطنه. لقد انتفضت الجماهير المضطهدة ضد الظلم الاجتماعي و الفساد الإداري و الحكم الفئوي المتسلط، و هذه المواصفات تنسجم مع النظام السوري مهما حاول التسويق لأكذوبة " الاستثناء السوري ".

إن نظام الحزب الوحيد، و اتهام مدونين شباب بالعمالة للمخابرات الأمريكية لمجرد إفصاحهم عن آرائهم حول الواقع السياسي و الحقوقي و الاجتماعي المعتل و الزج بهم في السجون المهولة و تسليط البوليس على المواطنين لإهانتهم و التنكيل بإنسانيتهم ممارسات لا تختلف من حيث البشاعة عن ممارسات نظامي الرئيسين حسني مبارك و بن علي ضد شعبيهما، كما أن رموز الفساد المالي و الإداري في تونس و مصر كعماد الطرابلسي و أحمد عز لا يختلفان عن رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد الذي يسيطر على سوق الاتصالات الذي يقدم خدمات رديئة للسوريين.

إن الإجراءات الهادفة إلى تخفيف الفوارق الاجتماعية التي ينشد لها التلفزيون الرسمي السوري يوميا تتكسر أمام ثقل الضرائب و ضعف الأجور و هذا ما تفجر في المظاهرة الحاشدة التي شهدتها دمشق تنديدا بالألفاظ البذيئة التي وجهها شرطي مرور لمواطن سوري و التي استوجبت حضور وزير الداخلية شخصيا لتقديم الإعتذار إلى المتظاهرين. لا شك أن العفوية التي اتسمت بها المظاهرة في دمشق تكشف عن حالة الإحتقان التي يعيشها الشعب السوري و هو رازح تحت الهيمنة الأمنية للنظام.

إننا نلاحظ يوميا أن تجاوزات الأنظمة البوليسية المسكونة بهاجس الخوف من المواطن متشابهة، كلنا نتذكر أن الإهانة التي تلقاها محمد البوعزيزي من الأمن هي التي أيقظت الشعب التونسي و حررته، و هي نفس الشرارة التي ستلهب الجماهير السورية كي تتخلص من أصفاد نظام قمعي تجاوزه الزمان.