26 يناير 2011

لأنه لم يعد لدى المضطهد ما يخسره.

أثارت الأحداث الجارية في تونس العديد من الكتابات، و شكلت محور المتابعة الإعلامية و الاستقرائية على مدى الفترة المحصورة بين نهاية العام 2010 و بداية العام 2011.

أخذت الاحتجاجات بعدا اجتماعيا بحتا في أعقاب إقدام الشاب العاطل محمد البوعزيزي على إحراق نفسه استنكارا للأوضاع الاجتماعية المزرية. كان انتحار البوعزيزي نقطة بداية التتابع الكرونولوجي السريع لانهيار الرئيس السابق. هكذا انطلقت المظاهرات الغاضبة تضامنا مع البوعزيزي، بادر الرئيس السابق إلى اعتبارها " أعمال شغب و عنف و تآمر " و حينما تجاوزت المطالب المستوى الاجتماعي المعيشي و انتقلت إلى مستوى الإصلاحات القانونية و السياسية و الحقوقية، خفض الرئيس زين العابدين بن علي حدة خطاباته، لقد ظهر خلال آخر خطاب له منهارا محاولا الالتحاق بالأحداث التي ثبت أنها سبقته و سبقت أجهزته الأمنية بطريقة غير قابلة للاستدراك.

تلقى الرئيس التونسي السابق الضربة الحاسمة بعدما امتنعت قيادة الجيش عن الاستجابة لأوامره القاضية بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

اللجوء إلى أسلوب الانتحار حرقا من أجل لفت انتباه السلطات العمومية ليس مستجدا في المشهد العالمثالثي و خلال أي مسلسل احتجاجي، كما أنه لا يختلف عن أساليب الانتحار الأخرى التي تعتبر الأداة الاحتجاجية القصوى المستخدمة من لدن الإنسان سواء كانت الدوافع نفسية أو اجتماعية. الانطباع الأولي الذي يتولد في الذهن إزاء الانتحار يحوله إلى حالة فردية، إلا أن الانتحار يمكن أن يكون جماعيا. خلال الحرب العالمية الثانية اشتهر جيش الإمبراطورية اليابانية بالطيارين الانتحاريين أو الكاميكاز. يقوم الطيار – أو البحار – الياباني برطم طائرته مع إحدى المعدات العسكرية للأمريكيين أو الحلفاء. إذا كان فعل الانتحار خاضعا لمحفزات نفسية في النصف الشمالي للعالم، فإن المحفزات الاجتماعية هي الأكثر تحريضا نحو الموت الإرادي في نصفه الجنوبي.

الاستقرار الاجتماعي الذي تعيشه البلدان الغربية مجرد مقياس تفاضلي تجريبي مثلما قال سيناتور روماني قديما: " العرش لأفريقيا و السلطة لروما "، حيث أنه من الملاحظ أن الدافع نحو الانتحار في العالم الثالث يمتلك دائما جذورا أخلاقية. لا أستبعد، كنتيجة محتملة للتصعيد الجماهيري، أن تشهد الساحات العامة، التي شهدت خلال أواسط القرن العشرين إعلان الانعتاق من الاستعمار، حالات انتحار أخرى في سبيل تكريس التغيير السياسي و الاجتماعي.

تبعا للغليان الاجتماعي المنذر بالانفجار، أنجزت الحكومات العالمثالثية إجراءات تخفيفية ( إحداث فرص شغل، الرفع من الأجور، الحفاظ على استقرار الأسعار، دعم المواد الاستهلاكية الاساسية الخ) تهدف إلى تقوية و توسيع حجم الطبقة الوسطى ضمن النسيج الاجتماعي، بيد أن خلق ديمومة الهناء السياسي يتطلب إيصال الطبقة الوسطى إلى مفاصل الحكم مثلما هو قائم في الأنظمة السياسية الأوروبية التي نجحت في إبداع ما أسماه أرسطو قبل آلاف السنين " البوليتيا " أو الحكومة التي تديرها الطبقة الوسطى، حيث أن خريجي هذه الطبقة يعارضون قابلية التعبئة لدى الفقير و يعارضون الجشع لدى الثري، و ما القابلية للتعبئة و الجشع سوى محركات توليد للتطرف و الاهتزاز الاجتماعي.

علينا أن نتذكر ـأيضا أن الاجراءات التخفيفية التي نفذتها الحكومات بالاضافة الى أهدافها الاجتماعية الظاهرة، تهدف أساسا إلى تهدئة المواطنين، إلا أنها لا تعالج آفة العجز في الموازنات و التي ترهن الدولة بالديون الخارجية. المطلوب إذا هو مراجعة جذرية لكل عناصرالسياسة الاقتصادية بدل الاقتصار على تدابير أقصى ما بمقدورها أن تقدمه يتمثل في التأخير الزمني لموعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية.

يتوجب إذا على التونسيين، إذا رغبوا في حماية مكتسبات انتفاضتهم العادلة، أن يبعدوا الآراء العرقية و الدينية سواء العروبية أو الإسلامية عن عمليتهم الاحتجاجية و التي ستدخل تونس داخل صراعات دولية و إقليمية متشابكة تنتهي إلى إحياء الاستبداد.

الاحتجاجات الشعبية التونسية " تنتمي إلى المجتمع المدني التونسي " و لديها " مطالب و غايات وطنية تونسية " فقد تابعنا جميعا أن الشعارات و اللافتات التي رددها و رفعها المتظاهرون اتصلت حصريا بالشؤون الداخلية للوطن التونسي و لم تتجاوز النطاق الجيو-سياسي التونسي إلى قضايا إقليمية و دولية.

المظاهرات التونسية غير مؤدلجة و لم تستورد قضايا خارجية. باختصار شديد : تطلعات المجتمع التونسي تتحلق حول العدالة الاجتماعية و تداول السلطة و الاحترام القانوني لحقوق الإنسان و الحريات العامة الذي يتحقق بإصلاح النصوص القانونية و في طليعتها النص الدستوري بالإضافة إلى الاحترام السلوكي الفعلي لحقوق الإنسان و الحريات العامة المتأتي عبر إدراج التربية الحقوقية في منظومة تكوين موظفي المؤسسات الإدارية و الأمنية و القضائية و العسكرية.

يوجد رهان أساسي يتوجب على المسؤولين التونسيين الجدد أن يربحوه، عليهم أن يثبتوا للغرب أن التوزيع العقلاني للثروات و الحياة الديمقراطية السليمة في بلد مسلم لا يعنيان معاداة الغرب.