07 أغسطس 2010

ورطة الانسحاب

بعد ورطة غزو العراق...أمريكا تعيش ورطة الانسحاب

نقلت صحيفة الغارديان البريطانية تصريحات مهمة أدلى بها المسؤول العراقي السابق طارق عزيز يدعو عبرها أوباما الى العزوف عن فكرة الانسحاب لأنها ستؤدي الى ترك العراق بين أيادي الذئاب، أهمية التصريحات تتجلى في اثارتها لاستفهامات متعددة حول مستقبل بلاد الرافدين، إذ أنها تقدم تشخيصا مختصرا للأزمة الحارقة التي تعيشها الإدارة الأمريكية بعد أن تعارضت مصالح و ارادات حلفائها في منطقة الشرق الأوسط ممثلين في ايران و دول الخليج و تركيا، و هم جميعا الحلفاء الذين قدموا خدمات ثمينة للآلة العسكرية الأمريكية كي تطيح بالنظام الوطني العراقي.

تصريحات طارق عزيز يمكن أن تقرأ عبر ثلاثة سياقات :

الانسحاب المزمع البدء في تنفيذه خلال العام 2011 سيفضي حتما الى فتح الساحة العراقية أمام تصاعد النفوذ الايراني و هي النتيجة التي تزعج أحد أهم حلفاء واشنطن ممثلين في قادة دول الخليج العربي الذين يعربون عن رفضهم لتفويت العراق كليا الى ايران، إذ أن القوى السياسية العراقية متوزعة الولاءات، كما أن المنظومة الأمنية العراقية عاجزة عن ضمان سيادة البلد إذا ما أقدم أوباما على تطبيق خطة الانسحاب التي وعد بها المواطنين الأمريكيين إبان حملته الانتخابية للوصول الى البيت الأبيض. رغم أن انتخاب أوباما لا يستهدف التأثير على الموقع الخارجي للولايات المتحدة بقدر ما هو تأثيث جديد للذات الأمريكية من خلال ايصال أول مواطن أمريكي ذي أصول افريقية الى سدة الرئاسة.

من جانب آخر، مشاركة الأمريكيين في اعادة تشييد الدولة العراقية سيتسبب في خلق ازعاج جديد لاسرائيل، فالعراق القادر على التصدي للتدخلات الاقليمية يحتاج الى مؤسسة أمنية منظمة تؤهله لحيازة تأثير اقليمي قد يعيد الأوضاع الى ما قبل 2003. هذا الاحتمال يستعمل للافصاح عن الأزمة التي تعانيها الإدارة الأمريكية فحسب، أما تطبيقه فهو مرفوض من لدن المواطنين الأمريكيين اضافة الى اسرائيل و جميع الدول المحيطة بالعراق ( الدول الخليجية، ايران ، سوريا ، تركيا ). فرغم أن هذه الدول المتنازعة اقليميا تعرب عن رغبتها في رؤية العراق مستقرا، إلا أنها في نفس الوقت تبدي رفضها القاطع لرؤية العراق قوة اقليمية رصينة.

من الواضح أن أحداث و بنية المشهد العراقي تتطلب انفاذ " اللبننة " ، أي تحويله الى لبنان آخر تتقاسم فيه السلطة المجموعات العرقية و الدينية الثلاثة الرئيسة : السنة ، الشيعة ، الكورد وفق صيغة مشابهة للصيغة القائمة في جمهورية الأرز مع ربط الزخم الاعلامي بالمتغيرات الاقليمية. فالطائفة السنية كانت مستحوذة على المنظر الاعلامي في لبنان قبل أن تخسره لفائدة الطائفة الشيعية منذ العام 2000 و ازداد التراجع السني حدة بعد اغتيال الحريري و انطلاق صراع 2006 بين ميليشيا حسن نصرالله و اسرائيل.

اللبننة و استدعاء قوات حفظ سلام دولية يمثلان الترياق القادم لاخماد الحريق المشتعل في العراق، و يمكن أن نلمس مدى التأثير العربي على الإدارة الأمريكية في حال تطبيق صيغة : اللبننة مضافة الى قوات حفظ سلام صادرة عن الجامعة العربية.

من جانب ثالث، يحق لنا أن نتساءل عن معاني التوقيت الذي اختاره المسؤول العراقي السابق طارق عزيز للإدلاء بتصريحاته، حيث لاحظنا أنه قاطع الإعلام منذ أن سلم نفسه للقوات الأمريكية سنة 2003، و لم يقل ما قاله إلا بعد أن تسلمته الحكومة العراقية من الأمريكيين، مع ما يعنيه التسليم الى الطرف العراقي بالنسبة لقياديي نظام الرئيس الشهيد صدام حسين . هل من المتصور أن طارق عزيز الذي اشتغل ردحا من الزمان كدبلوماسي و كخبير ممارس في العلاقات الدولية كان يتوقع أن يقوم الرئيس أوباما باصلاح أخطاء سلفه؟ علما أن الإصلاح المفترض يعني اكساب العراق موقعه الاقليمي المتقدم مجددا.