10 أغسطس 2009

على هامش مقال صدام حسين و حرب 1991

جبران الشداني :
ماذا يقصد المقال بثورة الطلاب اليهود ؟هل يقصد ثورة 68 ؟و لماذا يختزلها ضمن الإطار اليهودي ؟ و هل الإعتراف بالإضطهاد النازي لليهود يعتبر مغازلة للصهيونية؟

هشام البرجاوي :
ماذا يقصد المقال بثورة الطلاب اليهود ؟هل يقصد ثورة 68 ؟و لماذا يختزلها ضمن الإطار اليهودي ؟
و لماذا رفع المتظاهرون اليهود لافتات كتب عليها : " لا لدعم المتخلفين " ؟ أ لم يتحدث ألبير كامو شخصيا عن التأثير اليهودي المساند لإسرائيل في ثورة 68؟أ لم تنتقد سيمون دو بوفوار التاثير اليهودي على مواقف صديقها المقرب سارتر؟
إذا كان اليهود الفرنسيون مستائين و ناقمين من موقف سياسي و قبل كل شيء انساني للقيادة أ لا يصح أن نربط موقفهم بالتيار الصهيوني؟
الشرعية الدولية أدانت الممارسات الصهيونية في حرب 1967 و ليس ديغول فحسب
و هل الاعتراف بالإضطهاد النازي لليهود يعتبر مغازلة للصهيونية ؟
سؤال أجيب عنه بسؤال آخر :
لماذا يناقش المواطن الغربي البعثة المسيحية و أحيانا يشكك في وجودها أصلا و لا يمسه أحد بدعوى الحق في التعبير بينما يواجه بالإقصاء و الملاحقة القضائية حين يتجرأ على مناقشة حقائق الإضطهاد النازي لليهود؟
محبتي أخي جبران

جبران الشداني
القراءة العرقية و الدينية للتاريخ قراءة خطيرة لأنها غير علمية و لأنها اسقاط لتمثلاتنا العرقية و الدينية ليست القضية ما ذا قال سارتر و ماذا قالت سيمون دي بفوار
في النهاية لقد قالا اشياء كثيرة و اليوم ينتقي كل شخص من كلامهما ما يدعم وجهة نظره .
لكن الأخطر هو هذا الاختزال المخيف لثورة ماي 68 في قالب عرقي ديني علما انها ثورة ذات بعد تحرري و يساري واضح بما أنها انتفضت اساسا ضد الاخلاقيات المحافظة لنظام تربوي رأسمالي و في العمق ضد الوظيفة الايديولوجية للجامعة الفرنسية . ربما كان البير كامي صديقا للفلسطينيين و ربما كان عنصريا تجاه باقي العرب لكن لنتوقف عن قراءة التاريخ حسب مواقف و آراء أشخاص بعينهم و لو كانوا رواد للوجودية أو العبثية
….الذين يكرهون اليهود يخافون من التصريح بكراهيتم و الذين يكرهون العرب يقولونها بخجل و لذلك لا يجب النظر بوثوقية لتصريحات كل مفكر او مبدع و لا يجب التوقف عندها لمحاكمة ثورة . فالثورات هي دائما اكبر من الافراد .

هشام البرجاوي :
لم أقرأ التاريخ من خلال رؤى دينية أو عرقية أخي جبران.
هل تعني القراءة العلمية لثورة 68 أن نقول :
" ثورة 68 ثورة طلابية يسارية تحررية؟ "
أ هذا تعليق شخصي أم موقف يتأسس على تحليل تاريخي؟ أم أنه تقرير بما يشبه القناعة الشخصية؟ أم أنه تحليل إنشائي؟ في تناولنا للمادة التاريخية التتابع الزمني لا يمكن إغفاله. و سمات العنصر البشري الذي صنع الحدث التاريخي لا يمكن إغفاله. حصلت نكسة 1967، ديغول يرفض الإنخراط في حلف الناتو و يشجب بشدة زحف اسرائيل على كامل الأراضي الفلسطينية كما شجبته الأسرة الدولية.لماذا أتحدث عن التيار العبثي و كامو؟: في فترة 68 كانت كتابات كامو و سارتر شهيرة و متداولة إلى درجة أن كل طالب جامعي يساري غدا مهووسا بمقولة كامو و التي أسست لما يسمى العبثية : Maman est morte…Je fais le boulevardسارتر و كامو و سيمون دو بوفوار شخصيات سياسية استمدت منها روح ثورة 68 (( خصوصا حينما وصف سارتر الرئيس كاسترو خلال زيارته الشهيرة إلى كوبا ب : " الثائر الطموح" )) كعملية فرنسية طلابية شمولية غير أنها انحرفت عن مسارها حينما رفضت و أدانت موقف الرئيس شارل ديغول من وقائع حرب 1967 و حينما أتاحت لليهود صب جام غضبهم على العرب دون مراعاة للإنسانية و للمبدأ الوجودي و للشرعية الدولية التي نادت بها الثورة.
لماذا لم تحتفظ الثورة بصيغتها الموضوعية و تندد على الأقل بالعنف بين اسرائيل و فلسطين؟ على الأقل الحياد السلبي أفضل من الإنحياز الجسيم. لماذا نأخذ الحدث التاريخي و نقرؤه بمعزل عن الأحداث التي أدت إلى نشوئه؟ هل هذا هو أساس القراءة العلمية؟
إني أدين موقف ثوار 1968 من صراع 1967.
أما هدف الإرتقاء بالأوضاع السوسيو-اقتصادية للمواطن الفرنسي فهذا التقييم الوطني القومي الداخلي الخاص بالفرنسيين لا أناقشه. مصير شارل ديغول كسياسي رفض الإنضمام إلى الخط الصهيو-أمريكي هو نفس المصير الذي عانى منه الكاتب روجيه غارودي.
فرنسا بلد الحرية، بإمكان المواطن أن يتعبد أو يعلن إلحاده و يلعن الله و المسيح و بإمكانه أن يلعن و ينتقد كيفما شاء الرئيس الفرنسي بدعوى الحق في التعبير كحق غير قابل للنقاش. و حينما يحاول بناء قراءة تاريخية أخرى (الرأي و الرأي الآخر) للإضطهاد النازي لليهود تنقض عليه أروبا برمتها.
أنا أشجب الإضطهاد النازي لليهود و أشجب كل أنواع الإضطهادات ضد الإنسان…لكنني أطالب العالم الديمقراطي بأن لا يكون انتقائيا في تطبيق القانون و في نشر قيم التعايش.
محبتي أيها المحاور العميق

جبران الشداني :
صديقي العزيز
مقالك و تعليقاتك تجرد ثورة ماي 68 من سياقها التاريخي عبر اختراع شبه مفهوم جديد هو " الثورة اليهودية " و التركيز على العامل الفلسفي كمولد لها .
هناك فرق بين الإعتراف بالبعد الفلسفي للثورة و هو ما لا ينكره أحد ، و اعتبار الثورة تعبيرا مباشرا عن أفكار كامي أو غيره .
لقد تساءلت في تعليقك السابق إن كان تقييمي لهذه الثورة بالطلابية اليسارية التحررية تقييما انشائيا ، و لا أظنه كذلك لو انك اكتفيت بالنظر إليها ضمن الحد الأدنى من الخطوط المشتركة التي تتفق عليها أغلب القراءات المعاصرة .
بصراحة رغم أنني لم أجرأ على وصف " تهويد " هذه الثورة بمغامرة نظرية تستسهل التناول التاريخي، إلا أنني لا أخفي دهشتي من جرأتك على اختزال أكبر ثورة اجتماعية و ثقافية عرفتها فرنسا خلال القرن العشرين في إطار يهودي لا يحيل إليه لا توجهها و لا مرجعيتها الفكرية و لا امتدادها اللاحق حين وصل صداها لأحضان البروليتاريا الفرنسية آنذاك .
هي تحررية يسارية لأنها لم تنفصل في امتداداتها عن المطالب المادية للطبقة الشغيلة ، و لأنها جاءت كرد فعل على التوجهات الديغولية و عموما كحركة رفض للسلطة بمعناها الأخلاقي و الإيديولوجي ، متمثلا في النظام التربوي الفرنسي السائد ، و الذي كان و لا يزال كما صرح بذلك بيير بورديو أداة لإعادة إنتاج قيم الهيمنة و ثقافة الطبقة المسيطرة في المجتمع . و لأنها في جزء كبير منها كانت بمجهود تنظيمي شيوعي و فوضوي دون أن أدعي بأنها حملت لافتات ماركس .
لقد طبعت هذه الحركة الفكر المتمرد اللاحق سواء كان في فرنسا أو خارجها ، و هذا يعني بأنها كانت تعبيرا عن رغبة في التغيير و التحول اتصلت بصميم هذه المجتمعات ، خصوصا مع ظهور ثقافة شبابية جديدة متزامنة مع النمو الإقتصادي و الرغبة في تبني نمط حياتي تحرري يريد التخلص من العادات التقليدية ، و يعيد تأسيس ثقافة استهلاكية جديدة، بل إن شعاراتها كانت أكثر تنوعا مما حاولت الإيحاء به في تعليقك ، ..إذ طالبت أيضا بالحق في الكسل و تحرير الأخلاق و رفع الرقابات .
و لو بحثنا عن الأصول الفلسفية ه الثورة لوجدناها في كتب محددة راجت في فرنسا آنذاك مثل " الإنسان ذي البعد الواحد " لهربرت ماركيوز المعروف بنقده لأيدلولوجيات النظام الصناعي ، او في كتاب " الثورة الجنسية " لويليام رايش و الذي لا بد أنه كان ذا صدى في مجتمع فرنسي يمنع حبوب منع الحمل و يمنغ غالبا الإختلاط الجنسي بل يمنع حتى النساء من ارتداء السراويل ..
لكل هذا صديقي ، أرفض اختزال هذه الثورة في " حركة يهودية " .دام الحوار جميلا مع صديق جميل .

هشام البرجاوي :
صديقي العزيز :
لنبحث الآن عن موقف وسطي/تقني نخرج من خلاله بما يشبه التوافق ما الموقف الوسطي؟
لدينا المعطيات الموالية :
1/ في البنية
** الأساس اليساري للثورة ألحق هزيمة نكراء بالماضي الوطني لديغول.
** تناقضات مواقف رواد التيار العبثي الذي يعد المحرك الفكري الجمعي الأساسي للفعل الطلابي
** وجود الأيديولوجيا طبقا للرؤيا الماركسية و معناها تزييف صورة الواقع أو إعطاء صورة معكوسة عنه كما يقول الفيلسوف بول ريكور.
2/ في المطلب
** كما أسلفت : قضايا الداخل الفرنسي ذات البعد السوسيو-اقتصادي تتصل بالإنسان الفرنسي. التقييم العام مؤداه : الحراك الجماهيري من أجل الإنماء السوسيو-اقتصادي يعتبر شرعيا و يستحق المساندة.
** إدانة موقف الثوار من صراع 1967 حيث دعموا الطرف الصهيوني في تحد سافر للأساس الإنساني للثورة فضلا عن القرار الدولي المندد بما اقترفته اسرائيل. هذا هو التشخيص الذي أقترحه لثورة 68.

***جبران الشداني : كاتب و أديب مغربي.