26 أكتوبر, 2009

إليها,,,

يقال إنه كلما اشتدت قتامة انطباعات الاستمرار في الحياة...يجدر بالإنسان أن يشهد بالنقاء لأولئك الرائعين الذين تركوا ذكراهم ناصعة في تاريخه الشخصي...فالانسان في المحصلة ذكرى عليه أن يسعى جاهدا لتجميل ذكراه و الرهان مفتوح على ناظريه إلى أن يغدو روحا بلا جسد...

هكذا كانت قرائتي لسطور عتيقة التصقت قسرا بقطعة ورق عثرت عليها صدفة في أحد جيوب معطفي...مع أنها اختارت وجهة الانسانية الفسيحة...فقد كنت حاضرة فيها إذ كلما استغرقت في القراءة يرتسم وجهك في الورقة...إنها أنت..و دائما أنت...ابتسامتك نشرت أريجها في كل مكان..هل أخبرتك أنني حارس ابتسامتك؟

كلما تذكرت بداياتنا امتلأ خيالي بالعديد من التساؤلات المتلاطمة...أبحث بين طياتها عني و عنك و أجدني بعد رحلة طويلة أمام المرآة أتفحص محتويات ذاتي...يروقني أن تدركي أنني لا أعثر على نفسي إلا بين أنفاسك...يجتذبني الإبحار الهادىء حينا..الصاخب حينا...في ثنايا شكوكك..ثوراتك...حنانك المتدفق

دعيني أكن أكثر شفافية في ممارسة حق الانتماء إليك...فقد سمحت لقلبي بالتجول في حديقة حبك، مغلفا برغبة جامحة لاستكشافك و اعادة استكشافك..هل أخبرتك أن عذريتك تتجدد؟...

على وريقات كل زهرة حرف من اسمك...و كلما وصلت إلى الحرف الأخير تنفذ الوريقات...و سرعان ما لفت انتباهي أن كل الأزهار تقدم لي حروف اسمك على وريقاتها...غير أن ألوانها كانت مختلفة...يبدو أنني أتنزه بين أروقة مزاجك...و هذا الشيء الذي لا يتوقف عن الحركة و الذي أسماه العرف الزمن أخبرني أن اللحظات تتنافس كي تحتضن لقاءنا...لما لا نحزن الأحزان اذن؟

لا تأكلي الشمس...فما في حوزتي سوى كلمات و زهرة ...هي لك

22 سبتمبر, 2009

تطبيقات نظرية الألعاب في السياسة الدولية

تشوب الكثير من المفارقات الجلية التحليل السياسي ( و التاريخي ) الذي يقول بخمود الحرب الباردة و ظهور عصر التكتلات الاقليمية. سباق التسلح و تبادل المماحكات السياسية عبر مناطق متفرقة خاصيتان مرافقتان لأي صراع أو خلاف في الرأي بين كيانين أو مجموعة كيانات جيوسياسية كي يأخذ صفة : الصراع البارد ضمن مدلولها التاريخي. هذا التعريف المكثف لا يعني أن الصراع البارد يتعارض مع الاحتكاك المسلح، بل إن الحل العسكري ينتمي لمفهوم الصراع ( الحرب) البارد عندما يستجيب لشرطين أساسيين :

** الهدف منه هو استعراض الاستطاعات العسكرية.
** أن يكون صراعا منقولا لإحدى ساحات صراع النفوذ و اصطدام المصالح.

السبب الرئيسي في اندلاع الحروب الباردة هو الافتقار لمعلومات دقيقة عن القدرات العسكرية لدى الخصم المحتمل، إذ أن الجهاز العسكري من الصعب إذا لم يكن مستحيلا أن تخترقه الأذرع الاستخبارية لدول خارجية ترتقب منها عمليات عدائية.

تجلت هذه الملاحظات في قضية نشر دروع صاروخية متعاكسة بين روسيا و الولايات المتحدة، فبعد اجماع الغرب على انتزاع استقلال اقليم كوسوفو من صربيا الممالئة لروسيا و هو الاجراء المباغت الذي ألحق ضررا بالغا بالسمعة الدولية لروسيا بادرت على إثره إلى انتزاع استقلال أبخازيا و أوسيتيا من جورجيا الموالية لحلف الناتو. أدركت القوى الأورو-أمريكية بعد هذا التصرف أن مسألة استدماج روسيا داخل حلف الناتو تعرضت لنكسة غائرة، لتنضاف هذه الخطوة الخاطئة إلى مسار الخطوات الخاطئة التي تزعمتها الادارة الأمريكية السابقة و التي أعلنت مشروع مكافحة الارهاب و دشنته بغزو العراق و أفغانستان دون ايلاء أي اهتمام للرؤية الصينية و الروسية التي تبنت النهج التوريطي كردة فعل على مشروع مكافحة الارهاب الذي لم تشارك في رسم ملامحه الرئيسية. فبينما تبذل واشنطن كل جهودها لزرع ولاء سياسي تمهيدا للاستغلال الاقتصادي لها في العديد من المناطق الملتهبة ( السودان، الصومال، العراق…الخ) يستخدم التوافق الكونفوشيوسي / الروسي الأسلوب الاقتصادي إذ أن كلا من الصين و روسيا وقعت سلسلة اتفاقات في قطاعات الفلاحة و الطاقة مع نفس الدول التي تحاول الولايات المتحدة اجبارها على القبول بالتبعية السياسية.

لقد اعتقد المحافظون الجدد أن شراء الحياد السياسي الكونفوشيوسي / الروسي بواسطة الاقتصاد سيعجل بانخراطه في الفعل العسكري داخل العراق و أفغانستان تحديدا، غير أن سقف النتائج بدا مخيبا لتطلعات الناتو، فروسيا وافقت على تخصيص أراضيها لتمرير مساندات انسانية فقط لحلف الناتو الغارق في ورطة أفغانستان أما الصين فقد خفضت من حجم المساندة الأورو-أمريكية للتيبت و تايوان، و يظهر هذا جليا في التغير السريع للموقف الفرنسي من قضية التبت و حرمان التايوانيين الدالاي لاما من الإدلاء بأي أفكار سياسية ضمن زيارته التي قام بها مؤخرا للمنطقة.

أ لا يجدر بنا أن نتساءل عند هذا المستوى من التحليل : ما هي المكاسب التي حققتها الإدارة الأمريكية؟

تظهر في مقدمة المكاسب عملية بناء التوازن بين الشيعة و السنة و نقل الصراعات الدموية إلى الداخل الاسلامي ضمن خطة اختطاف الاسلام التي أعقبت هجمات شتنبر 2003. في هذه الجزئية استشرى اعتقاد لدى عينة واسعة من الباحثين و الملاحظين مفاده أن الغرب استبدل العداء الأحمر بالعداء الاسلامي، هذا الفريق من الباحثين يقع في تناقض وخيم حين يدافع بشراسة عن مصداقية نظرية صراع الحضارات من جهة و يقول بانتهاء العداء الشيوعي / الرأسمالي من جهة أخرى. تشكل أضلاع نظرية صراع الحضارات لا يتحقق بطريقة عبثية أو تطورية ( كما هو الشأن في الثورات أو الفورات الاجتماعية بتعبير أكثر دقة). لقد بات جليا أن الإدارة الأمريكية السابقة أعادت المشهد السياسي الدولي فترات طويلة إلى الوراء و خصوصا إلى فترة الصراع بين الشرق و الغرب و ظهور نقاط ممارسة الضغط في أمريكا اللاتينية و في كوريا الشمالية و بناء تحالفات اقليمية تخضع للتسيير ثنائي القطبية ( مشروع التعاون الاستراتيجي التركي السوري الايراني و لو أن هدف تركيا من هذا المشروع هو انتشال سوريا من التبعية التامة لايران و محاولة اعادتها إلى المحيط العربي الرسمي استنادا إلى علاقات أنقرة الوثيقة مع أمريكا و اسرائيل و دول مجلس التعاون الخليجي و مصر…الخ) تماما مثلما كان عليه الوضع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأمريكي الجديد استوعب جيدا جسامة الارث الذي خلفه له سلفه، فبادر إلى اطلاق اصلاحات مالية تمزج بين النظرتين الشيوعية و الاسلامية، كما ألغى خطة نشر الدرع الصاروخي في الأراضي المتاخمة لروسيا و التي تشكل عمق نفوذها الاستراتيجي و أعلن إعلاميا أن الباب مفتوح لالتحاق روسيا بحلف الناتو كمحاولة لاقصاء الصين تجلت أبسط مظاهرها في الرسوم الجمركية الاستثنائية التي فرضت على دخول البضائع الصينية إلى الولايات المتحدة.

لقد أنجبت الفكرية السياسية الأمريكية نظرية الفوضى الخلاقة و كانت أول و أبرز مساهم في تطبيقها…فهل من المنطقي أن نتوقع العكس بخصوص نظرية صراع الحضارات؟؟؟

30 أغسطس, 2009

إلى صديقة لم أعد أتذكر ملامحها

التقينا على الطريقة الربيعية، ابتسمت الطبيعة و أنشدت احتفاء باللقاء، لم يكن أريج الصدفة إلا حسنة من حسنات الفصل المبتهج، لا قيمة في شعوري لتحضيرات اللقاء، كل ما أستطيع قوله إن الله أتقن الإعداد لذلك اليوم البعيد. طفقت أتفحص وجه الملكة ماري أنتوانيت في إحدى كتب التاريخ العتيقة، فأوحى إلى المشهد باسم:" لطيفة"، هذا ما ترسخ في الذاكرة، اسم بلا جسد، لكنه روح من النقاء و الإنسية تحلق بسعادة في خيالي الشاسع. أحاول لملمة كل الأوصاف المقتبسة من روعة الاعتناق المؤقت للماضي المسرور، غير أن الصورة الأخيرة، اسم يهمس بكل الإحتمالات، ما أروع أن يسافر الإنسان إلى غياهب الأيام الخوالي، لن تزعجه قتامة الواقع، لكن الأهم من التجوال المطلق رفقة العقل، فهو وحده من يركب الإحساس و يوقد الحنين بل و يسترجع الجمال المفقود.

تفاصيل اللقاء تلاشت، وما ظل صامدا علاقة انسانية صافية تأبى النهاية، في كل قطرة لامعة من قطرات فؤادين مزجهما القدر، تنبثق إرادة البقاء وعزيمة الإستمرار. اختارت صحبتنا المدرسة، و فدت الشمل بالنفيس طيلة ست سنوات متواصلة، تخللها اكتشاف الإنتماء و بناء الهوية واللمس الطفولي لمعاني الإستقرار و الإطمئنان التي استشرى في كل موقع من المجتمع أنها مهام مخصصة للكبار فقط، تقييم فاشل، فكأن الصغار لا يمتلكون الوعي الكافي لفهم مصطلحات الإجتماع البشري المستمدة من التطبيق اليومي، و على كل حال فإنني أعتقد أن لطيفة كانت صادقة و مصيبة في رأيها،:" نحن الدليل الحي على نجاح الاستقرار، فلماذا يصرون على القول بعجزنا عن استيعابه".

هكذا يرتسم فحوى كلامها في ذاكرتي، و ربما قد أكون أنا القائل. اجتماعات التأمل في الحياة كانت كثيرة ، فقد ارتشفنا رونق نسيان موعد التعارف البسيط ، منذ الأيام الأولى . هي من يؤكد لي أن سرعة النسيان مقياس لتوقع مصير العلاقة الإنسانية، وخاصة نسيان وقت التعارف، وبالإضافة إلى إشارته الواضحة لتقدم العلاقة، فإنه يتحكم في اكتمالها أو اخفاقها. لنا رؤيتان بريئتان ألفت بينهما أفكار مشتركة ، فقد بدأ الله و الكون بالدخول إلى امتداد التساؤلات. رغبة الإدراك لا يحتكرها الإكتساب العلمي، بل إنه قد يساهم في وأدها أو إجهاض تطورها في أفضل انجازاته. كما سيطر على تفكيري مبكرا، انبرت لطيفة للنضال ، رفضت لقب : " المتعلمين " بانطوائه المتعمد على انتقاص جسيم من كرامة الإنسان، وقاومت شيوع الإكتساب : " لسنا أكياسا بلاستيكية يستعملها الزبائن لمدد زمنية قصيرة، ثم يلقون بها إلى سلة المهملات أو يوجهونها لإعادة التصنيع "

السؤال الذي لا يزال يراودني : هل كانت تسعى إلى عالم مثالي يرتكز على صحة سلوك الفرد؟ قد أبالغ، و ربما تكون انطباعاتي متولدة عن التحاقي القسري بالكبار.

لحظة حميمية استوطنت ذاكرتي، مجرد قبلة، لا أدري متى حدثت، لكن المهم أنها حدثت. من عاداتنا الخالدة الإجتهاد في شرح الأحداث المؤلمة، أما ما نعتبره خيرا فإننا نكتفي و يجدر بناأن نستمتع به قبل أن ينفذ. هذا ما نستطيع أن نعامل به البهجة، الإستمتاع بها، خاصة و أننا في أغلب الأحيان لا نتحكم فيها، فلطالما ارتبطت بالصدفة. كأي باحث مبتدىء في متاهة الحب المثيرة، حلمت بقبل أخرى، و لم أتصور للحظة أن رصيدي سيجمد عند قبلتين: الفاتحة التي نقشتها بأحرف وامضة ساقية الماء قرب مكتب المديرة في المدرسة، و قبلة النهاية التي أقرها رحيل لطيفة مع أسرتها إلى مدينة أخرى. لدى استلامي للخبر، لم أتفاجأ، لكنني حاولت ابداء رفض أباده اصرار والدها على تسجيلها في إعدادية راقية، تفضل الصيت الرديء لإعدادية مدينتنا المكفهرة.

أتذكر أنها زارت منزلنا للمرة الأخيرة، و علمت من خلال شقيقي أننا شاركت في رحلة مع جماعة من الأصدقاء إلى الحقول المتاخمة للوسط الحضري. غادرت بهو المنزل بسرعة، لنلتقي أمام بوابة المدرسة… ورحلت.

يصعب علي أن أرسم ملامحها، بيد أن هذا الإخفاق المتقادم يخسر دوما أمام اقتناع شخصي بأن لطيفة كانت فتاة استثنائية.

28 أغسطس, 2009

قطيفتان من جنائن فكتور هوجو


قصيدة : " إلى التي بقيت في فرنسا " لفكتور هوجو من إحدى روائع الأدب الفرنسي الكلاسيكي، و قد ترجمتها الى العربية كي تحظى بشيء من رؤى الهمسات الشرقية :

إلى التي بقيت في فرنسا

كوني أنت، ارفعي عينيك، أزيحي
هذا الرداء الجلدي الذي نقش التواءات شاحبة على جبهتك الملائكية
افتحي يديك، خذي هذا الكتاب، إنه لك.

هذا الكتاب المهجور الذي اعتقل روحي، كآبتي، أملي، حزني، خوفي
هذا الكتاب الذي يتضمن طيف حياتي،
هواجسي، انطباعات لحظة الغسق و هي ترتدي عبرات جافة،
الظل و عاصفته، الوردة و مدقتها،
هذا الكتاب بلون زرقة السماء، كئيب، من أين جاء؟
من أين جاء هذا الشحوب الذي يمزق الضباب؟
سنوات أربع خلت و أنا أسكن زوابع فناجين آخر المساء
هذا الكتاب لفظها كثيرا. كانت السماء مغرمة بلعبة الاملاء البارد
و أنا أكتب...أكتب فحسب.
لأنني قشة في مهب الريح. ارحل قالت الروح. و رحلت.
و عندما يتوقف نزيف يراع صفحاته، عندما يستعذب هذا الكتاب
أهزوجة الأمزجة الناعمة، عندما يطلق شهقته الأولى، عندما يحيا
كنيسة أخفتها المروج تدق جرس العبادة كلما تلاشى وجودي همست :
للخريف أوراق كثيرة ليسقطها..فأعطه بعض الوقت،
لقد صمت كتابك
سلمه لي بسلام...أيها الشاعر
البحر و قد رأى الكتاب يرتجف أردف بسرع : لماذا
لا تلقيه إلي...أ ليس شراعا متمردا؟
بل لي ينتمي هذا النشيد... قال النجم.
لمن تدخره؟ لصراعات الموقف عند هؤلاء الأحياء التائهين؟
امنحه لنا...نخبئه في أعشاشنا...نحمله على أجنحتنا...
قالت عصافير الكناري

قبل ردح من الدهر، و كلما عاد أيلول و زفرات الدمع تخنقه رويدا رويدا
أسافر كثيرا، أهجر كل ما يعرفني
أهرب من التحدي، أرى باريس تنطفىء
لن تأخذه الكنيسة...لا البحر و لا النجم و لا العصافير
هذا الكتاب لك...لك فقط.

تعليق :

لا يحتاج العاشق إلى انجاز زيارات تأملية لمرايا الطبيعة كي يثبت للآخر نظرة التكامل في الحياة. ضرورة التقاط شهادات الوجود حول صدق الحب تنتمي الى النطاق السوسيولوجي البحت، أما الحب فهو ذات واحدة لها انقسامات في المعنى و الجسد.

-------------------------------

في إحدى لحظات النشوة، و بعد أن جفف انطباعات الابحار عبر عوالم الأدب الفرنسي قال فكتور :

" أنا من ألبس الأدب الفرنسي قبعته الحمراء (أي قبعة الجمال في الثقافة الفرنسية)".

قصيدة : " غدا...منذ الفجر" رثاء كتبه فكتور لابنته ليوبولدين و التي ماتت غرقا بمحاذاة صخب الوجود.

و قد قمت بترجمتها إلى العربية :

غدا... منذ الفجر.

غدا...منذ الفجر..لدى التحاف القرية للبياض
سأنطلق، لأراك، أعرف أنك بانتظاري
سأمشي عبر الغابة، عبر الجبل
لم يعد باستطاعتي أن أكون بعيدا عنك

سأسير و عيناي مركزتان على أفكاري..
بلا سهو، بلا انصات لأي ضجيج..
وحيدا..مجهولا..مثني الظهر..متشابك اليدين
حزينا...النهار في رؤياي كالليل.

لن أتابع هطول المجيء المذهب للمساء
و لا مراكب البحر و هي تتساقط على هارفلور (1)
و عندما أصل، سأضع على قبرك..
باقة من البهشية الخضراء و الخلنج المورد (2)

(1) هارفلور : ميناء فرنسي.
(2) البهشية و الخلنج : نوع النبات الذي يكرم به الغربيون موتاهم.

27 أغسطس, 2009

اللغة و وظيفة العنف البريء

قبل كل شيء، أريد أن أطلب من الذين يفصلون بين اللغة و مستعمليها، أن يتخلوا عن هذا التقسيم الشبيه بداء السكيزوفرينيا، ماهي اللغة بدون بشر يستخدمونها للتعبير عن ثلاثة عناصر : الحاجة و الإحساس و الإمتياز ؟

تعددت الكتابات التي اهتمت بالقيمة العالمية للغة العربية مع تزايد المعطيات الملموسة الدالة قطعا على أن العرب يسيرون من سيء إلى أسوأ. في مسألة اللغة، من القوانين العملية الراسخة أن القوي يفرض شروطه السياسية و الاقتصادية و التي من أجل التعامل معها يرغم من هم تحت سيطرته على تبني لغته واستخدامها، و يدل موقع اللغة الانكليزية على الصعيد العالمي على اتصال تداول اللغة بالمستطاع العسكري و العلمي للدولة الأساسية الناطقة قوميا بها، و استنادا الى المسيرة الأمريكية المرتكزة على التلويح بالسلاح و الترهيب، اضافة الى التوجه السياسي البريطاني بثقله الثقافي و الحضاري المؤيد بطلاقة للمشروع الأمريكي، حصلت اللغة الانكليزية على بلدين ساطعين فرضا على الانسانية تعلم لغتهما و اعتبارها معيارا دوليا للتمييز بين التخلف و النمو بل و الإنتماء الى المجتمع الإنساني.

و قد استوعب الإنسان العربي المرتب في أدنى مستويات الدول العربية حقيقة قوية مؤداها : الوجود لا يتم الا بالضلوع في الانكليزية،لأنها اللغة السيادية و لأنها لغة البشر الحضاريين و لأنها وسيلة تواصل أعتى ادارة سياسية في العالم، و لأنها اللغة الزاهية التي وظفها الكاتب العبقري وليام شكسبير أو فنان الحب الأبدي و من يتذرع بالتبرير الأدبي فهو على الأقل يؤمن ببراءة اللغة من سوءات بني الإنسان. اذاواصلنا في احصاء مزايا الانكليزية، فان الكلام الوصفي لن ينتهي، فالحديث ليس عن اشكالية معقدة تهدد العالم باعتبار أننا نتكلم عن اللغة التي لا تساهم في العنف المادي، و ليس الكلام لتأطير سجال فكري ترفي بشأن نظرية ما، بل إن الحديث يقدم في سياق التأكد من سلطة اللغة الانكليزية التي أضحت لغة الشبكة العنكبوتية و صارت اللغة الأولى في العلوم المتطورة و وسائط الاعلام، كما أن اللغة الانكليزية تحولت الى خزان هائل لمصطلحات فكرية مبتدعة كالعولمة المقترنة بالنظام السياسي الوحيد بزعامة البيت الأبيض و تبعات الانصياع لارادته الغاصة بالدماء البشرية و هنا تتحول اللغة إلى مشارك في العنف المادي، فتسييس اللغة الذي يعتبر أمرا قسريا، يؤدي لاعتبارها كائنا وطنيا يؤدي الخدمة العسكرية كما هو الشأن بالنسبة لأي مواطن

إن امتلاك دولة ما لقدرات عسكرية متفوقة يجتاز الأهداف السياسية و الدفاعية إلى اعتماد العسكر أداة نشر للرعب الذي ينعكس على نطاق واسع على الأداء السياسي و السلوك الثقافي لهذه الدولة، و حين خضوع المحيط لأوامرها فان مصيرها الحتمي هو الاصابة المتفاقمة بفوبيا :”العظمة” المؤدية الى الإيمان بالأهلية لصناعة المبادرات الكونية في كل مجال متصل بالنشاط البشري الفردي و الجماعي. مع العلم أن الإلتحاق بمستوى : " ابتكار المبادرات " ليس باللزوم انجازا ثقيلا، و إنما مقدار الجهد المبذول بهدف البقاء " مبادرا " هو الرهان الأكثر أهمية و الأكثر ارهاقا. هذا التشخيص ينطبق على النموذج الامريكي في أسلوب تعامله مع القضايا الساخنة الدائرة حوله. مظاهر القوة السياسية الأمريكية معروفة، ما يهم هو ادراك ارتباط تحديث السلاح(من أجل السيطرة) بتداول لغة الدولة التي يكتب اسمها على هذا السلاح. و من سخرية القدر أن اتقان هذه اللغة هو الذي يساعد انسانا ألقاه حظه العاثر ضمن هدف صاروخ ما على معرفة مصدر الصاروخ.

الأمريكيون مع أنصارهم الأوروبيين الأكثر لباقة في كيفيات التفاوض عن طريق الترويج لمفاهيم الحوار و التعايش و الإنفتاح،أجبروا العالم المستنزف على تقديس اللغات الغربية و تهميش الجذر اللغوي قسرا، و يسمح ربط اللغة بمدى التأثير على أحداث الخارج بلمس حقيقة ارتباط انتشار اللغة بالبحث العلمي و التقني و ليس بالقدرة الإبداعية التي تتميز بها هذه اللغة. لا أمنع نفسي من الاستغراب، عندما يقول أحدهم إن اللغة العربية تفوق اللغات الأخرى من حيث الجمال و البيان و لهذا انتقاها الله لتبقى خالدة، أقول لمثل هؤلاء إن مثل هذه المقارنات و المفاضلات التائهة تصلح لعوالمهم الرمزية المثالية و لا تملك أي مصداقية في عالمنا البشري الذي نعيشه و أضيف إن الله قادر على كل شيء و بما أنه فوق طاقاتنا فلا يجب أن نعقد مقارنات بيننا و بينه و الأجدر بنا أن نقارن أنفسنا بالبشر مثلنا. رهن قوة اللغة بالسلاح العسكري و الاقتصادي يحقق الهدف الوجودي لهذه اللغة و هو تبليغها الى الأمم الأخرى و على من يرفض هذا المبدأ أن يعرض علينا ما لديه، بطبيعة الحال لا نستطيع الغاء دور الأدب و الشعر في تقوية اللغة. لكنني أفضل أن نتأكد من توفرنا جميعا على الخبز قبل أن نجده في سياق نوستالجي تحكيه قصيدة مفعمة بالرمزيات التي تتعلق فقط بواضعها.

الأدب و الشعر أشبه بكائنات العالم الخارجي الخرافية بالنسبة إلى الواقع، فالطبيعة و الأنطولوجيات و المتاهات الرمزية، المثيرة للإشمئزاز عندما نتذكر أنها من صنع شخص واحد، مواضيع هامشية بدأ العالمثالثيون يؤمنون بضرورة استبدالها بمحاولات تكريس الممارسة اللغوية الفلسفية و العلمية القائمة على كلمات منتقاة تحدد المعنى و بالتالي توضح الهدف، أما عهد الأحلام الأدبية فهو جزء من مجتمع ما بعد النهضة العلمية الذاتية أي غير المستوردة في العالم الثالث و بخاصة في خضم الفترة العصيبة الراهنة التي يجتازها ببطىء. هناك ملاحظة آخرى، بعض التجارب الأنطولوجية أثارت إعجاب الكثير من الناس رغم أنها ليست : انتاجا جمعيا، فلماذا لا ينظر إلى الدكتاتورية السياسية كتجربة أنطولوجية؟ قد يكون الأمر مرتبطا بتشابه أشكال الحزن التي يتعرض لها البشر و هنا يمكن أن نقول إن الأنطولوجيا التي تستعمل اللغة شيء جماعي على الأقل

بعيدا عن هذه الاستفهامات الملتوية، لن يكون أحدنا ذكيا إذا ربط بين اللغة و التعليم. فالتعليم الحكومي لدى مجمل الدول المتخلفة يسعى الى تلقين اللغة القومية لمنع الطلاب من استكمال دراساتهم العليا، فقد فهمت كل الأنظمة السياسية أن أخطر تهديد يطاردها هو : تثقيف الفقراء و تضخيم الطبقة الوسطى و هنا أتذكر قولة امبرياليا محنكا :” قل للفلاح دوما إن ماء السقي يأتي من السماء، واحرص ، برفقته، على أداء صلاة الإستسقاء” و من هذه الحكمة و مجمل اسقاطاتها تظهر فكرة الخوصصة، بما فيها خوصصة التعليم. و مآسي المدرسة العالمثالثية و من بينها المدرسة المغربية أشهر من أن نعيد ذكرها.

ان اللغة العربية هي بكل بساطة لغة تتعرض لوخزات داخلية قبل أن تكون خارجية سوف تقضي عليها اذا لم تبادر الشعوب و مؤسسات و هيآت التأثير على الفعل الجماهيري المسؤول و المواطن الى المطالبة بتشجيع البحث العلمي و التقني المؤدي الى بناء هيبة الكيان اللغوي، فأهمية اللغة ليس في قدرتها الإبداعية و الجمالية و إنما في مقدار استعمالها في الإدارات و المعامل و سائر المؤسسات الإنتاجية.

21 أغسطس, 2009

يوم آخر (قصة قصيرة)

اختار رصيف الانتظار بعد أن أنفق ساعات مرهقة قبل الحصول على تذكرة سفر إلى مكناس. الرطوبة و ارتفاع درجة الحرارة يضفيان قسوة رهيبة على جو العاصمة، الناس يلتجئون إلى المقاهي و المنتزهات حيث تخفف الظلال من شدة القيظ. ارتطمت هذه الأفكار المستمدة من أعماق المعتاد اليومي بذهنه و هو يتابع بتؤدة نشاط المسافرين، لكل واحد منهم وجهة محددة، لا يأتون إلى محطة القطار دون ادراك القصد من رحلة عبر آلات عتيقة. انتقادات الواقع لا تنتهي و لن تنتهي، بلا مشكلات متكدسة، فإن الواقع يفقد نكهته الخاصة، لا مناص من الاحتكاك بتحديات التعلق بالحياة.

المعلومات المسجلة بالتذكرة تشير إلى موعد انطلاق الرحلة، خمس ساعات صيفية أخرى للاستهلاك، و قد تنضاف إليها لحظات عسيرة، أصدقاؤه سردوا له الكثير عن مأساة مستخدمي القطارات، التنقلات البشرية المستمرة خلال العطلة تخنق النقل، في مثل هذه الأوقات العصيبة من السنة تخضع المواطنة لامتحانات عسيرة، بل إنها تتخلص من أدنى معانيها الآسرة، و على النقيض من الانطباع الشائع الذي ينشىء التناقض بين المثال و الواقع زمن الزخم المدني، فإن دائرة الأفكار المثالية تتسع، إذ يغدو الحصول على مقعد محترم داخل باص أو قطار متهالكين حلما بعيد المنال. بين اللحظة و اللحظة تتأجج حرب كلامية و أحيانا عنيفة بين المسافرين، هذا يزعم أن المقعد له و الآخر يؤكد أنه الأولى به…يتدخل ممثل الشرطة محاولا إصلاح الأخطاء المتكررة التي يرتكبها موظفو شبابيك بيع التذاكر، رغم الإملاءات الإدارية الواضحة بشأن تنظيم أرقام المقاعد تفاديا لصراعات زائدة، فلا يكاد ينتهي يوم واحد دون معاينة شجارات من نفس النوع. كان سليم يوزع نظراته الباهتة التي يتطاير منها سأم الإنتظار على مختلف المشاهد المؤذية التي تغص بها المحطة..فجأة جلس إلى جانبه رجل حفرت السنون أخاديد على وجهه ذي السحنة الكالحة، بادره بالقول بحنق :

- لا أفهم هذه الصراعات الهوجاء حول المقاعد، الأساسي في القضية بأكملها أن القطار اللعين سيتحرك، كلهم سيصلون إلى وجهاتهم سواء ركبوا في المقدمة أو في المؤخرة، خلال الصيف يتأهب أي قادم إلى المحطة لخوض غزوة أعصاب محرقة.

رمقه سليم ببعض النظرات الفاحصة و أجاب بلا اكتراث و هو يتابع بعينيه شابا يقتاده شرطيان إلى مكتب الأمن :

- نحن نعيش في غياهب مجتمع يفسر التسامح على أنه رضوخ لقوة الآخر أو خوف منه، إن تنازلت مثلا عن مقعدك، فحقارة الرجولة المنقوصة سترافقك إلى أن تصل و ستستمر في مطاردتك كلما استخدمت نفس المحطة.

استغرب الرجل من الجواب الشاحب الذي باغته به محدثه الذي يبدو أن غرابة الأطوار قد رسمت ارتساماتها الاعتيادية على وجهه المتفتح، تابع سليم حديثه الساخر من الواقع :

- يبدو أنك فلاح تعمل بضواحي مكناس، هل ستمنح بضعة أمتار من أرضك لجارك الذي يحتاجها لاستكمال بناء منزله؟ لا داعي لأن تجيب أخي، الرفض البات هو ما ستعرب عنه، و كلنا ننطلق من مبدأ الرجولة المنقوصة في كل سلوكاتنا.

تثاءب الفلاح قليلا، لمح الساعة الحائطية، و استطرد :

- ما نسعى إليه يختزل في الاستفادة من ادارات منظمة، القطار الآتي سيقلني، مضطر لانهاء هذا الحديث الشيق معك..فلتصحبك السلامة.

لم يجب سليم، لاحقت نظراته الفلاح المتعب و هو يهرول ناحية القطار للعثور على مقعد ضمن التشكيلة الأمامية الأكثر أمنا و راحة. اخترع الفلاح ازدحاما حارا قرب مدخل عربة المسافرين الأولى، بدأ اشتباكا بالأيدي مع أحد الوافدين…انفض النزاع باصطحاب بطليه إلى مكتب الأمن و انطلق القطار دونهما. ابتسم سليم، ثم ما لبث أن تفرغ لفحص هاتفه الخليوي، ركب رقما بانزعاج :

- سأتأخر قليلا عن موعد الوصول، جحيم صيف هذا العام يقضي فترة استجمامه في المحطة كالمعتاد.

- و لم لم تستقل سيارتك؟

- هل يتوجب علي يا زوجتي العزيزة أن أذكرك بما ينسيك اياه اغتسالك المستمر بمياه شلالات شكوكك؟ الطريق السريع بين الرباط و مكناس مقطوع لأشغال تطوير، لقد أعلنوا الخبر خلال النشرة الصباحية، بعد دقائق من الآن سيقدمون الأخبار مجددا، تابعي النشرة فالأكيد أن الخبر سيعاد. كنت أتوقع أن تغمريني بموجاتك الصوتية المثيرة فإذا بي أواجه بعبور الصراط الأخلاقي المضجر مجددا.

سمع وشوشة ضحكها، قبل أن تغلق الهاتف قالت :

- كانت سماء الإنتظار منذ الصباح ملبدة بغيوم الشكوك، لكن كلماتك تسمح للربيع بتحرير اطلالاته الانتهازية.

- عباراتك الرومانسية تتطلب استكشافا معقدا، سأعتبر هذا الكلام اطراء شخصيا. لقد التقطت قبلتك عزيزتي، تأكدي بأنني لا أريد لها أن تنتهي.

أقفلت الخط، الاذعان لدعوته اليومية إلى تجديد السفر عبر الجسد يتناهى لانتصاره، فهو لاعب محترف بالكلمات، و ينتقل بمزاجها من حالة إلى حالة، ينتشله من اللون الرمادي ليصبغه بالوردي…لا ركود للغة الجسد المغلفة بالكلمات المتلألئة أو ما يسميه اختصارا رحيق الأنوثة.

نفذت ساعات الانتظار تباعا، الملل يسرح و يمرح في خيالاته، قبيل وصول القطار أذاع أحد موظفي المحطة خبرا سارا، لقد قررت وزارة النقل تخصيص قطار اضافي للمواطنين الذاهبين إلى مكناس درءا لمشكلة الزحام حول المقاعد. وصل قطاره أخيرا، اختفى الزحام و توقفت حرب المقاعد إلى حين. بحث عن مقعد شاغر، و و جده بجانب سيدة توحي ملامحها بأنها تستحق ما يسميه الاحترام الكلاسيكي.

- هل هذا المقعد شاغر سيدتي؟

- أنا آنسة، أعتقد أنه شاغر، يمكن أن تسأل مراقب التذاكر.

- سأستعمله إلى أن يقرر المراقب أن شخصا ما قد حجزه قبلي.

ابتكر جلسة ما، و طفق يقرأ ما يصل إليه من الأخبار التي تضمنتها جريدة المرأة الجالسة إلى جواره. بحث بهدوء عن أي فرصة لاجتذاب محادثة استكشافية.

- مهرجان هذه السنة في العاصمة خيب آمال الجمهور المغربي.

- لقد وزعوا عليهم برنامج المهرجان مجانا، لم يجبرهم أحد على حضور فعالياته. يتراءى لي أنك تدرك أكثر مني أن الموسيقى تشبه الألوان في كل شيء، منها ما يناسبنا و منها ما يبعث على الانزعاج. نفس السيناريو المضجر كتبه الجمهور في مكناس خلال السنة المنصرمة، تذمروا من مهرجان فني أبدوا قبل انطلاقه اعجابهم بفقراته. الفن ينتهي إلى ماخور…شئنا أم أبينا.

- لا أستطيع ادانة أذواق الجماهير، أميل إلى الإعتقاد بأن أداء الفنانين المشاركين لم يكن مقنعا.

لم تجبه، و لم يبد هو أيضا أي اصرار لاستئناف الحوار، قرأت الجريدة لدقائق أخرى ثم طوتها و دفعت بها إليه…تابع باسهاب تداعيات الانشطار الذاتي المخيمة على المنظر السياسي الفلسطيني،قرأ و في عينيه بريق ساخر عن اللقاء المفاجىء بين الرئيس السوري و نوري المالكي و ابرامهما اتفاقات شراكة في قطاعات الأمن و الاقتصاد، استوقفته مقالات متفرقة للجمهور الفني تتناول مجددا رحيل رائد البوب مايكل جاكسون، استفزه تعليق لأحد المتابعين :

- لم أشاهد جاكسون يغني قط، غير أن حجم الحزن الذي خلفه رحيله يثبت أنه فنان استثنائي.

كي تكون استثنائيا في هذا العالم في نظر بعضهم، يجب أن يكون عدد المتأثرين بموتك ضخما. و لم لا؟ هذه وجهة نظر. لم يشعر بمرور الوقت، و أيقظه من غيبوبته القرائية توقف القطار في محطة مكناس، قبل بدء نزول الراكبين قالت السيدة الجالسة إلى جانبه بنبرة جادة :

- هذه أول زيارة لك إلى مكناس؟

- نعم..تقريبا..لم أزرها منذ ثلاث سنوات.

- أشتغل محامية هنا..إليك عنواني.

مع نزول المسافرين، حاول سليم تتبع المرأة، بيد أنها ضاعت وسط الوجوه و تقاطر الأشخاص على المحطة. سأل المارة عن العنوان، و كلما سأل عنه أحدهم أشاح عنه بوجهه و رمقه بنظرات تذكره بمبدأ الرجولة المنقوصة الذي تحدث عنه برفقة الفلاح على دكة الانتظار في الرباط. استوقف شرطي مرور و استفهمه عن العنوان، تفحص الشرطي العنوان ثم ما لبث أن ضحك :

- ضحية أخرى، تلك السيدة محترفة حقا. نحن نلاحق هذه السيدة منذ أسبوعين، تنتحل صفات متعددة : طبيبة، محامية…لقنص بعض الطرائد من أجل ماخور تديره يشير إليه العنوان الذي معك سيدي. و قد ثبت أنها تفضل اقتناص المتزوجين لافتعال بعض المهاترات الرخيصة.

- أشكرك سيدي.

واصل سليم مشواره إلى بيت جده حيث ترقب زوجته عودته، سيطرت عليه أفكار حالكة، السيدة لم تسأل حول ما إذا كان متزوجا أم لا؟ ما الذي يعنيه أن لا…رفض مواصلة الحفر في أغوار التساؤلات التائهة، ردد جملة واحدة قالتها المحامية المزيفة :

- الفن ينتهي إلى ماخور..شئنا أم أبينا.

16 أغسطس, 2009

حكاية منحدر (قصة قصيرة)

لم يكن صباح الثامن من أغسطس كغيره من صباحات حياة قررت أن تؤول نحو رتابة قاتمة، جمعت الأم المنهكة بمسؤوليات مزدوجة، امتدت لسنين ثقيلة، خلال الليلة المنصرمة أطفالها الثلاثة، ارتسمت على وجهها الكئيب ابتسامة مترنحة :


- سيعود يا أولادي، لقد وصلنا إخطار رسمي من دائرة الشؤون الإجتماعية بالجيش، أخبروني أن مهمة فرقته قد انتهت و الإجراءات قائمة لاستعادتها إلى الوطن.

اجتاح صمت رهيب غرفة المعيشة المكونة من تلفاز قديم و بعض الكراسي الخشبية المهترئة المحيطة بطاولة أضفى عليها الإستعمال المتكرر طابعا تجريديا حالكا. لم يكن موقف الأطفال مستغربا، فقد أنفق هذا الجسد السقيم المترامي أمام أعينهم الباهتة أعواما أليمة يقدم وعودا شاحبة، لم يتحقق أي منها. وعدوا بملابس جديدة يباهون بها أمام أترابهم، وعدوا باقتناء لعب، وعدوا بالذهاب إلى مدينة الملاهي. آمال نسجتها كلمات تائهة، تحاول دائما الفرار من قسوة الواقع عبر اختلاق الأوهام الجذابة.

مضى وقت سحيق، لا يكاد يميز خلاله الأطفال بين العيد و ما عداه من الأيام. حين أرخى عيد الأضحى في السنة الماضية بظلاله على ساكنة المدينة انتشر الفرح، أصدقاء التقوا بعد غياب، عائلات التأم شملها احتفاء بيوم العيد…المدينة في هرج و مرج، غرف المعيشة في كل منزل غاصة بالأصدقاء و أفراد العائلة، أحاديث نشيطة عن الماضي المبتهج أو الحزين…إنها الحياة تسري في شوارع المدينة و أزقتها. كان أحد المتسكعين يلعب بقطعة نقدية، ارتفعت عاليا…بعد أن قضى مشواره يحصل عل نفس الواجهة، ابتعد قليلا عن مصابيح إضاءة الشارع، فحصل ما كان يتوقعه، التعاسة ظهرت، الواجهة الأخرى للقطعة النقدية وضعت حدا لإضرابها الخائف من النور…قبل أن تستقر القطعة النقدية المزيفة في كف المتسكع، لاح مشهد الأم و أطفالها في ليلة العيد…لقد ناموا منذ الساعات الأولى للمساء…العيد هو كاللاعيد…صراع لاهب مع الوقت…سؤال خريفي يلقي بانطباعاته السوداء على الأسرة الصغيرة : متى يعود؟.

- أطفالي هذا خبر مؤكد، لقد وصلنا من جهة رسمية فلم الوجوم؟

كان أكبر الفتية قد أنهى التعليم الإبتدائي، امتلك بعض الجرأة المخذولة ليقول :

- كل الأخبار السابقة كانت تردنا من جهات رسمية، و لم تكن لمرة واحدة صادقة. كل ما نريده خبر صادق واحد، وعد يتيم قابل للتطبيق.

لا فائدة ترجى من الإسهاب في نقاش مستعمل، صار له نفس عمر أوسط الأطفال. سبع سنوات. سبع سنوات كاملة من الإنتظار…و لاشيء تملكه البراءة سوى الإنتظار كلما اخطفت منها نضارة الطفولة أو ربما آخر همسات الذكرى. هل يجوز للإنسان أن يسرد تاريخه الشخصي بمعزل عن الطفولة؟

التأم الصبية الغرثى حول الفراش بعد أن رفضوا تناول العشاء. قرأوا جميعا في ملامح الأم نزرا يسيرا من الجدية. وشوشات مفعمة بالأمل دارت بينهم. طفقت الأم تصغي لأحاديثهم الهادئة، فرسمت رغما عنها ابتسامة شاحبة…لقد صدقوها هذه المرة. و ماذا يعزب عن الصدق؟ لا شيء…هي أيضا صادقة…إن كانت الورقة الرسمية صادقة. لقد كتبوا أن الفرقة العسكرية التي ينتمي إليها أكملت دورها، و هي تتهيأ للعودة.

استيقظ الصغار يحذوهم الأمل ممتزجا باحتمالات الصدمة منذ الفجر، و رغم أن موعد الباص هو الثامنة و النصف، إلا أن رصيف المسافرين استهل هذا اليوم الإضافي من العمل بثلاثة صبية و سيدة…بعد انتظار فاقت لوعته سنوات الترقب العجاف، و كأن الأمل المختلط بعيون لاهثة تبحث عن الباص استسهل الاحتراق عندما ظهر الباص المهترىء في الأفق يسبقه صوت مزعج. ازداد اطمئنان الأطفال حين عثروا على أصدقاء لهم من مناطق متفرقة قدموا للقاء آبائهم. يبدو أن شبح الوعود المزيفة قد تلاشى…

قيظ أغسطس، و طابور الأسر الذي أحاط بالبوابة الرئيسية لمبنى دائرة الشؤون الإجتماعية كلها متفاعلات انتهازية حامية الوطيس، بيد أنها تمنح للأمل الطفولي طاقة متجددة…الكثير من العائلات تتطلع للقاء الغائبين، لتجديد طقوس العشق…لاسترداد الدفىء الأسري…كلهم هنا، سبقوا الموعد المحدد. و بينما انهمك الإداريون في تفسير قواعد الاصطفاف لدى الآليات العسكرية و كيفيات الاستقبال، سمع على بعد أمتار دوي شاحنة عسكرية عملاقة…إنها الفرقة الخامسة، لقد وصلوا أخيرا…أهازيج الجنود ملأت المكان هيبة و خشوعا…اشرأبت الأعناق عل ملامح الأب أو الأخ أو القريب تتخطى سراديب الغياب المكفهر…دخلت الشاحنة من بوابة أنزلت بها حراسة شديدة…صدرت أوامر بتنظيم لقاء العائدين بأقربائهم، تفاديا لأي انفعالات عاطفية مبالغ فيها…لا بد من انجاز البروتوكولات الرسمية.

لا أحد باستطاعته أن يصف الحالة النفسية للعائلات، مزيج غريب من المشاعر يفوح من وجوه أنهكها الإنتظار…تحترق كي تبقى جذوة الأمل متقدة. أحد الأطفال الثلاثة، ربما كان الأكبر قال و هو يرسم برجله خطوطا متداخلة على الأرض المغبرة :

- انتظرته حينما كان غائبا، و أنا الآن أنتظره و هو على بعد خطوات مني.

أخيرا انتهى العرض العسكري الموشى برفع العلم و ترديد النشيد القومي، بدأ الغائبون يتوافدون على عائلاتهم…مناظر انسانية مؤثرة…كانت الأم محاطة بأطفالها الثلاثة تبحث بطريقة فوضوية بين الوجوه، تحدق في الابتسامات، أين هو؟ أصغر الأطفال الذي تركه الأب جنينا لم يفهم شيئا، كان باردا جدا و مشغولا بالتهام قطعة شيكولاته. تقاطر الكثير من الآملين على المبنى…

ما أقسى اكتظاظ آمال الفقراء.

- سيدي أبحث عن زوجي هذا اسمه.
- الإسم وارد ضمن مجندي الفرقة الخامسة، لكن لا يوجد أي سند قانوني يثبت الزواج
- أرجوك سيدي تفحص الوثائق جيدا لا بد من وجود خطأ.
- لا يوجد أي خطأ، لا يوجد أي سند يثبت الزواج، الجندي الذي تسألين عنه عاد من أرض الحرب قبل شهرين، و قد حضرت شخصيا بعد عودته حفلة زواجه.

خرجت الأم من مكتب الاستعلامات صامتة، حملقت في وجوه أطفالها الثلاثة :

- لقد منحتنا الجهة الرسمية وعدا كاذبا مجددا، لكنها هذه المرة حاولت تحطيم كرامتنا، لقد أرادت الصاق صفة : " وغد " بوالدكم و هو راقد في سلام منذ سنوات.